التدخين والاستقلالية والرجولة

كنت أقلب صفحات المجلات في طفولتي وأتذكر مشهد الكاوبوي، حملة دعائية ضخمة لنوع من السجائر، ابتكرها أحد كبار الدعاية والإعلان وهو “ليو بورنيت”، وبينما ركزت بقية شركات السجائر على محاولة إثبات أن سجائرها أخف ضرراً وأن الفلترات تنفع في الحماية من السرطان والجلطة فإن بورنيت اتجه نحو هدف آخر، فاقترح حملة دعائية تربط هذه السيجارة بالرجولة، وهنا ظهرت فكرة الكاوبوي الشهير، فاستعانوا بممثل يلبس لباس رعاة البقر الأمريكان وليس إلا هو والسيجارة في فمه في البرية ولا شيء غير هذا، وعلى نفس الفكرة أضافوا المزيد من الدعايات التي فيها مِهن رجولية أخرى مثل صانع سلاح وقبطان سفينة ونجم رياضي، ولكن تلك لم يكن لها نفس التأثير فقطعوها واكتفوا بالكاوبوي، ونجحت الحملة وصار هذا النوع من السجائر هو الأول. السجائر نفسها لم تتغير، لكن انظر لتأثير الدعاية على العقل.

مرت السنين والحملة قائمة بقوة واستخدموا أكثر من ممثل في دور الكاوبوي، ثلاثة من هؤلاء الممثلين ماتوا بمرض سرطان الرئة نتيجة تدخينهم، ومنهم الممثل “واين مكلارين”، فلما حل به سرطان الرئة حاول شتى العلاجات، فجرب العلاج الكيميائي فلم ينفع، وجرب العلاج الإشعاعي فأخفق، فاضطر الأطباء إلى استئصال إحدى رئتيه ومع ذلك لم يتحسن، بعدها استشرى السرطان في جسده حتى وصل إلى مخه فقتله، وكان لما علم بالمرض تحول ضد التدخين وصار يخطب الناس في أضراره ويشارك الحملات الحكومية لمكافحته، وأما شركة السجائر فانقلبت ضده وزعمت أنه لم يتعاون معهم إطلاقاً ولم يمثل في أي من دعاياتها!

من العِبَر أن مكلارين ظهر في دعاية قوية ضد التدخين، نراه فيها مستلقياً على فراش الموت والأنابيب الكثيرة متصلة بجسده، ونسمع صوتاً يتكلم – هو أخوه – ويقول: إن شركات السجائر تشجع الناس والصغار خاصة على التدخين زاعمة أنه نوع من الاستقلالية، ثم يسأل المتكلم: “كيف ستكون استقلالياً وأنت مستلقٍ هكذا مضطر أن تتصل بكل هذه الأنابيب؟”.

مات مكلارين وبقي كلام أخيه يأسر الذهن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *