الذكاء الاصطناعي بدأ يغزو سوق العمل، مثل الترمنيتور، لكنه بدلاً من أن يبيد البشر فهو يبيد وظائفهم، يستبدلهم، يقذف بالكثيرين إلى هوّة البطالة والضياع. وظائف المبرمجين صارت هباءاً منثوراً بين يوم وليلة، بعد سنين تعبوا فيها يدرسون ويبرمجون، صار الذكاء يكتب الكود في ثوانٍ. وغير هذا أمثلة كثيرة. لكن هناك شيء لن يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يغزوه تماما: الكتابة. الكتابة البشرية الحقيقية ستظل خالدة، هذه بعض الأسباب:
ندرة العمق: الذكاء الاصطناعي سينتج كميات هائلة من المحتوى السطحي والسريع، وفي خضم هذه الضوضاء السطحية ستصبح القراءة والكتابة أفعالًا نادرة وقيّمة.
الكتابة = التفكير: الذكاء الاصطناعي يستطيع توليد نصوص لكنه لا يُفكّر، الإنسان يستخدم الكتابة لاكتشاف أفكاره وفهمها. ستظل الكتابة أداة لا غنى عنها للفكر الإنساني.
الصوت وسط الضجيج: كلما زاد المحتوى قلّت قيمته ما لم يحمل أثراً حقيقياً. حينها يصبح للكاتب صاحب الصوت الصادق والواضح مكانة عالية. الناس ستبحث عمن يُشبههم ويفهمهم، لا عن نصوص بلا روح. أستطيع أن أميّز فوراً صوت كتابي المفضلين، أعطني نصاً عشوائيا وسأعرف إن كان الكاتب منهم أو لا، لكن الكلام المكتوب بالذكاء الاصطناعي لن يترك هذا الأثر.
تشكيل الوعي: الذكاء الاصطناعي يعمل على التكرار والتنبؤ، لا على الوعي أو القصد. لكن الإنسان لا يقرأ ليجمع معلومات فقط، بل ليُعيد تشكيل وعيه، ليتأمل نفسه والعالم، ليفهم المعنى.
الكتاب كملاذ: في عالم آلي وسريع، تصبح الكتب مساحة للهدوء، للتأمل، للتفكير العميق. ليست مجرد محتوى بل تجربة إنسانية.
نعرف الزائفين: رأيت بعض الناس على لينكدإن يكتبون نصوصا جميلة أنيقة، لكن عرفت فورا أنها مكتوبة بالذكاء الاصطناعي. إن له نبرة واضحة، والناس ليسوا أغبياء، يعرفون إن كنت أنت الكاتب أو لا، وإن حاول الشخص (الزائف) أن يتلاعب بهذا، وأن يعطي أوامر تغيّر صوت النص بحيث لا يبدو مثل الذكاء، فإنه عاجلا أو آجلاً سيُكتَشف أنه زائف، عملت مع بعض هؤلاء الناس وأرى طريقة كتابتهم في الإيميلات والحوار والتفكير، فور أن أرى كتابته على لينكدإن أعرف أن هذا ليس الكاتب.
المعنى لا ينبع من الصياغة وحدها، بل من المعاناة، والاختيار، والوعي بالتجربة. الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يكتب جملاً بليغة، لكنه لا يعرف طعم الألم، ولا نشوة الاكتشاف، ولا عبء الشك. أما الإنسان، فحين يكتب، يُعيد ترتيب الفوضى ليخلق منها معنى، وذاك ما لا يمكن استنساخه.
والحل؟ القراءة، والكتابة، والتي ستظل فعلًا إنسانيًا لا يُستبدل.
