كتابي "نغمات القهوة" متوفر للطلب، احصل على نسختك الآن!
كتابي نغمات القهوة

يوم في حياة عيسى عليه السلام عندما يرجع

اقترب نزول عيسى بن مريم عليه السلام.

الغالبية من علامات الساعة الصغرى تمّت، ولم يبق منها إلا القليل، فليس بعدها إلا الكبرى.

أنا مفتون بقصة عيسى منذ صغري. أمره عجيب، فليس لأي من الرسل شأن كشأنه: يظهر بين الرومان، يسعى اليهود ضده حتى يحاول الرومان قتله، يرفعه الله ويصلبون غيره، وبينما مضت 2000 سنة على رفعه إلا أنه في بُعدٍ آخر، في عالمٍ مختلف، لا تنطبق فيه قوانين الزمان والمكان التي نعرفها، فهو لم تمر عليه 2000 سنة بل عندما يرجع سيرجع شاباً في أول الثلاثينات كما رُفِع، أتى في رواية أنه اغتسل للصلاة وخرج رطب الرأس ورُفِع على هذه الحال ولذلك كلما وصفه الرسول عليه الصلاة والسلام قال إن شعره كأن به ماء. كوكب الأرض شعر بألفي سنة تمر منذ ذاك، لكن عيسى يشعر أنه لم يمر إلا 5 دقائق.

وليس هذا آخر الشأن به، فبعد رفعه ظهر يهودي اسمه شاؤول اضطهد أتباع عيسى، شاؤول لم يفعلها فرديا بل كلّفه مجلس الكاهن الأكبر ومجلس الشيوخ (السنهدرين) في بيت المقدس أن يتولى حماية اليهودية بأن يحارب المؤمنين أتباع المسيح، فيضطلع شاؤول بهذه المهمة بجذل ويأخذ في قتلهم بأبشع الطرق كالرجم كما فعل برجل اسمه كليل (القديس ستيفن كما سماه اليونانيون بعدها)، وكان هذا بعد رفع عيسى بثلاث سنين، ثم انقلب شاؤول فسمى نفسه بولس وادعى أن المسيح ظهر له وأنه صار مسيحيا الآن ثم حرّف دينه تحريفا شنيعا ما يزال إلى اليوم، وصار عيسى معبودا لديهم. وأما اليهود فيقول تلمودهم إن عيسى في النار بين القاذورات، بينما المسلمون يؤمنون به كما أخبر الله عنه، أنه عبد الله ورسوله.  الشاهد أن الناس اختلفوا في عيسى اختلافا عظيما. وعندما يرجع فإنه سيمحو هذا الاختلاف تماما فيحارب اليهود ويلزم النصارى بالإسلام.

نعم، سينزل عيسى في آخر الزمان، كل الأديان الإبراهيمية تنتظره، فأما اليهود فسيظنونه دجالاً، وأما النصارى فيظنون إلههم سيرجع، وأما المسلمون فيعرفون أنه سيرجع ليقتل الدجال، ويزيل النصرانية، ويقيم العدل.

لكن ما يشغل بالي هو هذا: كيف سيفعل عيسى كل هذا؟ ما هي التفاصيل؟ نعرف الصورة الكبرى لكني من عشاق التفاصيل اليومية الصغيرة ولم أستطيع أن أتخلص من هذا الهاجس! لذلك جمعت لك السرد التالي، بعضه مذكور صراحة في الأحاديث، وبعضه استنباط واستقراء. هذه هي القصة التي ستحصل:

ظهر رجل اسمه محمد بن عبدالله، يوحّد أمة الإسلام بعد تفرّقها، ويصير قائدها، فيقيم العدل، ويحارب قوى الشر، تحصل في عهده الملحمة الكبرى، وهي حرب هائلة (نووية؟) تقتل معظم النصارى والمسلمين، وبينما إسطنبول (القسطنطينية) اليوم تحت حكم المسلمين إلا أنها سترجع تحت سيطرة النصارى فيما بعد، لعلهم الروس، فقد كان بين الأتراك والروس حروب جسيمة، لكن في عهد المهدي تُفتَح المدينة مرة أخرى.

ثم يخرج الدجال في الأرض، يظهر في إيران ويتبعه يهود أصفهان عليهم الطيالسة (الطيلسان رداء الكتف المعروف الذي يلبسه اليهود إذا تعبدوا)، يظنونه المسيح المنتظر، يعيث في الأرض فسادا عظيما، فتنة وابتلاء لم يمر على البشرية مثلها منذ أن خلق الله آدم، بلاء عظيم وشر مستطير أمرنا رسولنا أن نتعوذ منه كل يوم في صلاتنا. هذه صورة من 2026م ليهود أصفهان وعليهم الطيالسة:

في زمن الخوف هذا، يجتمع 800 رجل و400 امرأة لصلاة الفجر في مسجد في دمشق. انتهى الأذان، المهدي جالس في المسجد يذكر الله، كثير من المسلمين خائف مضطرب مشتت العقل بسبب فتنة الدجال، ثم تُقام الصلاة. بعد انتهاء الإقامة يتقدم المهدي ليؤمّ المسلمين، لكن قبل أن يكبّر، يحصل شيء عظيم، حدثٌ كوني أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام، حدث تنتظره الأمة قروناً طويلة: تحدث جلبة في المسجد، فيرفع المسلمون أبصارهم، إنه عيسى عليه السلام، ينزل من السماء وقد وضع يديه على ملكين. يستقر على الأرض. رجل وسيم يميل للبياض والحمرة، عريض الصدر، شعره ناعم يتجاوز أذنيه، يلبس رداء على نصفه العلوي، وإزار على النصف السفلي، يشبه لباس أهل اليمن وجنوب الجزيرة العربية، ويشبه لباس الإحرام بدون إخراج الكتف، مصبوغتان بالأصفر. هذه المنارة البيضاء شرقي دمشق والتي سينزل عندها عيسى كما في الحديث:

مشهد صادم، مهيب، عجيب. تحصل معجزة أخرى: ينطق عيسى باللغة العربية رغم أنه عبري، “أنا المسيح عيسى بن مريم”. انفجار في مشاعر المسلمين، بكاء شديد، ابتهاج، ذهول، كل طيف المشاعر يجتمع في المسجد.

المهدي يقول له: “يا روح الله، تقدم”، لكن عيسى يرفض ويقدّم المهدي إماما للصلاة. شرف عظيم لأمة محمد! في الحديث: كيفَ أنتم إذا نزلَ ابنُ مَريمَ فِيكُمْ و إِمامُكمْ مِنكُمْ؟

يكبر المهدي، ووراءه عيسى بن مريم. هل سيتعبّد عيسى بالإنجيل؟ لا، سيتلو القرآن. يقرأ المهدي سورة الفاتحة، يؤمّن نبي الله والمسلمون، وقد يقرأ المهدي بعدها آيات تذكر نبي الله عيسى، قد يقرأ: وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (النساء، 159). أو قد يقرأ: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قَالَ: سُبْحَانَكَ! مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ، تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (المائدة، 116).

بعد الصلاة، يجتمع الناس على عيسى، سيكون هو قائد الأمة الآن، ينتشر الخبر في الآفاق، لكن الشرف للشام العظيمة ولأهلها، يسير عيسى بجيش المسلمين من دمشق فيلاحق الدجال الذي هرب مرعوبا عارفا أن هلاكه سيكون على يد عيسى، وأتى أن الدجال إذا رأى عيسى سينهار نفسيا (يذوب كما يذوب الملح في الماء كما في الحديث)، ولكنه يتمالك نفسه قليلا ويهرب، لكن التعب والرعب تجتمع عليه إذا وصل إلى فلسطين فلا يستطيع أن يهرب أكثر، ويقتله عيسى عند مدينة اللد في فلسطين المحتلة اليوم. هناك رمزية هنا، فمدينة اللد والتي تسمى أيضا باب لد كانت عاصمة عسكرية للمسلمين لما فُتح بيت المقدس، واتخذها عمرو بن العاص قاعدة لجند فلسطين، وهو إقليم عسكري إداري تحت حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، و قبل ذلك كانت معروفة للنصارى واليهود ومذكورة في كتابتهم المقدس باسم Lod. كذلك اللد لها تميز جغرافياً: تقع على مفترق طرق رئيسي بين يافا والقدس والرملة، مما يجعلها نقطة تجمع استراتيجية. عند هذه البوابة سيُقتَل الدجال:

الآن انتهى الشر، قُتل الدجال، اندثرت فتنته، ماذا الآن؟

يمكث عيسى 40 سنة، يملأ الأرض عدلاً، لكن كيف يعيش؟ أين يسكن؟ لا نتخيل هذه الأشياء الصغيرة لأننا تعودنا ألا ننظر للشخصيات الهامة تاريخيا إلا من خلال سياق الأحداث العظيمة التي ارتبطت بهم، لكن عيسى إنسان مثلنا! أن يمكث 40 سنة يعني أن المسلمين سيرونه كل يوم، يذهب للمسجد، للسوق، يتكلم مع الناس، يمازح الصغار، يشتري طعامه ويأكله، يعيش في بيت بسيط، بل ربما يتزوج امرأة ويكون له ذرية، عيسى الإسرائيلي صاحب اللسان العبري قد يتزوج امرأة فلسطينية عربية! وفي أي مدينة سيمكث عيسى؟ احتمال كبير أن يطوف الأرض ليقيم فيها العدل ويحكم بين الناس، فإذا تم ذلك فلعله يرجع إلى بيت المقدس، قرب المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، فيقضي فيه بقية أيامه، حتى إذا قارب عمره منتصف السبعين أتاه أجله، فيصلي عليه المسلمون (في شرفٍ عظيم آخر لأمة محمد) في يوم لن يُنسى أبد الدهر، ولن تظل عين لم تبك عليه، سلام الله عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *