أنا كوب قهوة، مجرد قطعة خزف تحمل سوادًا ساخنًا. لا شيء مبهر في مظهري. ومع ذلك، أراقب العالم كل يوم من موضعي المتواضع على المنضدة، وأرى أشياء لا يراها أصحاب العيون المشغولة.
أول ما أتعلمه عن البشر هو أنهم نادرًا ما يكونون هنا، في اللحظة ذاتها. حتى عندما يرفعني أحدهم إلى شفتيه، فإن ذهنه ليس معي. هو يفكر في الاجتماع القادم، في الرسالة التي لم يُجب عليها، في ماضيه الذي لا يمكن تغييره، في مستقبله الذي لا يمكن التنبؤ به. قليلون فقط يتذوقونني حقًا. أما الآخرون فهم يبتلعونني كما يبتلعون الوقت، دون شعور.
أرى القلق في الأيدي المرتجفة التي تحيط بي، وكأنني مرساة صغيرة في بحر متلاطم. أسمع زفرات التعب حين يلتقطونني في آخر الليل، وكأنهم يبحثون عن عزاء من إرهاق لا نهاية له. أنا شريكهم في الوحدة، ورفيقهم في السهر، لكنني لا أستطيع أن أخفف عنهم كما يفعل صديق أو كتاب.
المفارقة أنني ككوب قهوة أعيش لحظة واحدة فقط: اللحظة التي أُستخدم فيها. أنا لا أقلق من الغد، ولا أحزن على الأمس. لا أملك ترف التفكير في معنى وجودي، ولا أعاني من أزمة هوية. أنا هنا، والآن. قد يُكسر الجسد الذي يحملني يومًا ما، وقد يُستبدل بآخر أجمل أو أكثر عصرية، لكنني لن أخشى هذا المصير، لأنه ببساطة ليس في يدي. أما البشر فهم يمضون أعمارهم قلقين من مصيرهم، رغم أنهم يملكون حرية اختيار حياتهم، عكس ما أملك.
ها أنا جاهز أن أُشرَب، لكن الفتاة تضعني على الطاولة، ترتب ما حولي، تصورني، تنشري في سنابتشات وانستجرام، بينما أن أبرد ولذتي تتبخر، ألا تعرفين الهدف من وجودي؟ بل من وجودك! أن تستمعي باللحظات الصغيرة في حياتك! أينكِ عنها يا مغرقة ذاتها في البحر الرقمي البارد؟
ربما هذا هو الفرق بيننا: هم يمتلكون الوعي لكنه يستهلكهم، بينما أنا أعيش بلا وعي، ومع ذلك فأنا أكثر سكينة منهم.
كم أتمنى أحيانًا لو أن إنسانًا واحدًا يتوقف للحظة، ينظر إليّ، ويشعر بالدفء الحقيقي في يده، ليس فقط حرارة القهوة، بل حرارة الحياة ذاتها، تلك التي تتسرب من بين أصابعه دون أن يدرك.