
في هذا الكتاب الفريد تتنكر “نورا فينسنت” كرجل وتعيش حياة الذكورة لسنة ونصف!
الكتب الاستكشافية شيقة، يذكّرني هذا الكتاب بتجربة غيَّرَ فيها الكاتب “جون هاوارد غريفن” لون جلده بمواد كيميائية طبية، بحيث يبدو كرجل أسود، وعاش حياة السود في أمريكا في الخمسينات الميلادية، لما كانت العنصرية في ذروتها.
الوضع ليس بنفس الخطورة في حالة نورا لكنها وضعت نفسها في بعض المخاطر رغم ذلك، منها رحلة لمخيم في الغابة بعيدا عن المدينة، متنكرة كرجل مع مجموعة من الرجال الذين التقت بهم في جمعية شبه سرية هدفها تعزيز ثقة الرجال وتقوية الروابط بينهم، مليئة بالرجال الذين عانوا مشاكل مع المرأة، رجال ممتلئون بالإحباط والغضب! ماذا لو اكتشفوا حقيقتها؟ هل سيضربونها أو حتى يقتلونها ليفرغوا فيها غضبهم؟
هذه إحدى تجاربها، لكن لنرجع لبداية التجربة، فقد تنكرت نورا بشكل مقنع كرجل، فأخذت دروس في تقوية الصوت وتغيير طريقة الكلام (هي عميقة الصوت أصلا وصوتها قريب من صوت الرجل)، وتمرنّت على الحديد وزادت كتلتها العضلية، وذهبت لتخوض تجربة الرجولة، هي كاتبة وتريد أن تسبر مجتمع الرجل لتفهم تفكيره وثقافته.
أول تجربة لها: البولينغ. صادقت فريق لعب مكون من 3 رجال في ملعب بولينغ، وتقبّلوا صديقهم الجديد “ند” – اسمها الذكوري الجديد – وأعطوه نصائح لأنه يتضح أنه لا يجيد اللعبة! ويتحاورون كثيرا ويشربون البيرة ويناقشون حياتهم ومشكلاتهم الشخصية والزوجية، ولأول مرة تدخل نورا في محاورات كهذه، فطيلة حياتها لم ترَ هذا المنظور إلا من الخارج، لكنها الآن تسمعه وتعيشه من الداخل بأدق التفاصيل وأصدق المشاعر.
بعدها ذهبت لتعيش لأسابيع في صومعة كاثوليكية منعزلة، مع رهبان متبتّلين حرّموا على أنفسهم النساء، ورأت ما يفعل التبتّل غير الطبيعي بالرجل الذي زرع الله فيه غريزة فائقة القوة هي حب المرأة، رأت معاناتهم مع ذلك، وقوانين الصومعة التي تتحاشى أي سلوك شاذ يمكن أن ينشأ بسبب كبت الفطرة، مثلا منعوا أن يخرج اثنان فقط خارج الصومعة، يجب أن لا يقل العدد عن 3، ومنعوا العناق بين الرجال.
وجدت نورا وظيفة كمندوب مبيعات في مجتمع رجالي بحت، شبيه بشركة بيع العقار في فيلم Glengarry Glenn Ross (فيلم رائع سأضع له تقييما في موقعي)، وهنا المنافسة الشرسة والمحاولات اليائسة لبيع المنتجات لأناس عشوائيين.
وأخيراً تلك التجربة في الغابة المذكورة في البداية، وهي المرة الوحيدة التي خشيت فيها نورا على نفسها وترددت أن تذهب معهم، في النهاية لم يكتشف أحد حقيقتها هناك ورجعت سالمة لتكتب الكتاب الفريد هذا.
نورا ذات حس مرهف وتفكير عميق. حلّلت في تجربتها كل وجه ممكن من العيش في حياة الرجل مقارنة بحياتها كامرأة، وتطرقت لمواضيع كثيرة مثل:
- مشاعر الرجل: غير مسموح له اجتماعيا أن يبدي الحزن أو الألم مثلا، يجب أن يُظهِر القوة والرجولة في كل الظروف وكل عمر وكل وقت. أيضاً لاحظت أن الرجل مشاعره محدودة مقارنة بالمرأة، والتي لها مساحة مشاعر تشعر بها وتعبر عنها كأنها مساحة ملعب كرة، لكن مساحة مشاعر الرجل أشبه بكشك صغير.
- الغريزة: لأول مرة تعرف نورا قوة رغبة الرجل الطبيعية في المرأة، من قبل لم تر هذا الجانب إلا كشيء وضيع، أو شيء تافه يعطيه الرجل فوق حجمه بكثير، لكن بعد المحادثات الكثيرة مع الرجال – وهم يظنونها رجلا ويبوحون بالحقائق – أدركت شعورهم نحو المرأة، و توقَهم إليها، والتعطش الشديد للمرأة الذي يعجز الرجل أن يقاومه.
- انعكاس المكانة: أدركت نورا قوة المرأة في المجتمع الأمريكي والغرب عموما وضعف الرجل، فهو عندما يتقدم ويحاول التعرف إليها في بار أو مكان عام فإنه هو الذي يضع نفسه على المحك ويتجشم الصعاب ويخاطر بكبريائه وخوف الرفض، وهذا ما عرفته نورا لما تقمّصت هذا الدور وحاولت أن تتعرف على نساء على أساس أنها رجل – وأتاها الرفض، صعب جدا وضع النفس في موقف يمكن أن يرفضك فيه إنسان آخر، لم تعرف نورا هذا من قبل، كانت متعودة على رفض عشرات الرجال بلا توقف ولا تلقي لذلك بالا، تظنهم سينسون الموقف فورا مثلها، لكن ليس بهذه السهولة. الرجل هناك أيضا غير مسموح له قانونيا أن يصنع مجتمعات رجالية يمنع فيها دخول النساء وإلا تعرض لدعاوى قضائية تتهمه بالتفرقة، فصارت المجتمعات الرجالية غير رسمية وشبه سرية.
- العلاقة مع الأب: وجدت نورا أن علاقة الأمريكي بأبيه كثيرا ما تكون مليئة بالمشكلات والتعقيدات، الكثير منهم لم ير أباه، أو فقط بشكل متقطّع، ويحنّون إلى شخصية أب حازم في حياتهم، حتى إنهم بلا شعور جعلوا من بعضهم في النوادي الرجالية مثل الآباء، فإذا حاز الرجل إقرار ورضا الآخرين شعر كأن هذا رضا من أبيه.
- مواعدة النساء: قالت نورا أن هذا أصعب جزء على الإطلاق من تجربتها، أي عندما ذهبت إلى النساء في الأماكن العامة بنية التعرّف عليهن ومواعدتهن بشخصيتها الرجولية “ند”، بل حتى في الحالات التي ترغب فيها امرأة أن تتعرف على ند كان هذا مقلقاً جداً لنورا، الخوف من الرفض جعلها تشعر بالضعف داخلها حتى لو أظهرت الثقة واللامبالاة. وجدت نورا أن المرأة تحب الرجل الرجولي، وهذا عكس تصورات كثيرة لدى الأمريكيات أنهن يبحثن عن رجل حساس متواصل مع مشاعره، رغم أن أغلبهن يقولون إن هذا هو نوع الرجال الذي يريدونه بألسنتهن إلا أنه في داخلهن لا يردن إلا الرجل الرجولي في الشكل والطباع والكلام.
- المصافحة: عندما صافحت نورا الرجال لأول مرة أثار هذا نشوتها! شعرت كأن تلك الضغطة القوية ترحّب بها كصديق، عكس المصافحات والعناق بين النساء والذي ترى نورا أنه سطحي بل مزيف أحيانا.
غمست نورا نفسها في التجربة وتقمّصت دور الرجل حتى النخاع، وقرب نهاية السنة والنصف حصل شيء لم تتوقعه: انهيار عصبي. لم تعرف نورا بالضبط ماذا حصل ولا كيف وصلت لهذه الدرجة بلا مقدمات، لكنها وُضِعَت في مصحّة عقلية بعد أن ظهرت عليها أعراض قوية من الاكتئاب. اكتشفت فيما بعد أن السبب الأرجح هو أنها عاشت بشخصيتين متناقضتين، وحملت هذا السر الثقيل ليلا ونهارا، 18 شهراً، وهل هناك تضادٌّ أقوى من تضاد طبيعة المرأة وطبيعة الرجل؟ اشتد العبء وهي لا تشعر، حتى انهارت، واحتاجت فترة لتتعافى.
كتاب رائع، استمتعت بقراءته، وأنصح به لكل قارئ كتب انجليزية. المؤسف أن الاكتئاب استمر مع نورا وعجزت أن تتشافى منه، حتى انتحرت في سويسرا بمساعدة طبيب عام 2022م.