الروتين موت الروح.
بمجرد أن تستقر حياتك على روتين وتستمر عليه لسنوات، ستذبل روحك. أمانه لن يعوضك أبدا عن نشوة الجديد. ألا تفتقدها؟ تلك النشوة التي طالما مرت عليك في صغرك؟
تأمل طفلاً في عامه الأول. كل شيء “أول”: أول نظرة، أول ابتسامة، أول خطوة، أول كلمة. اليوم عنده ليس تكراراً للأمس، بل مغامرة جديدة. يتعلم المشي فيسقط، ينهض، يمشي، يكتشف أن العالم أكبر من سريره. يتعلم الأكل فيتسخ، يضع الطعام في شعره، يبتسم. كل شيء عنده لا يحكم عليه، لا يقارنه، فقط يعيشه.
مرّت عليك تلك النشوة لما كوّنت أصدقاء جدد لأول مرة، لما جربت ألعاب الفيديو لأول مرة، لما سبحتَ في المسبح، لما سافرت، لما ركبت الدراجة، كانت الحياة حفلة من المفاجآت.
ثم…كبرنا.
هل تذكر آخر مرة فعلت فيها شيئاً للمرة الأولى؟ ليس تحديث جواز سفر أو تجربة مطعم جديد. بل شيء حقيقي. أول مرة تركض فيها خمسة كيلومترات. أول مرة تتسلق جبلاً. أول مرة تكتب قصة. أول مرة تطبخ وجبة كاملة. أول مرة تعتذر بصدق. متى كانت؟ ومتى لاحظت أن الأوائل صارت نادرة؟
أعتقد أن التحول يحدث بهدوء. في مرحلة ما، ننتقل من “سأجرب” إلى “أنا أعرف”. نصبح خبراء في حياتنا الصغيرة. نعرف ماذا نحب وماذا نكره. نعرف أي طريق يوصلنا إلى العمل، وأي مقهى قهوته جيدة. نعرف نهايات الأفلام من مقدماتها، ونعرف كيف ستسير العلاقات قبل أن تبدأ. الحياة تصبح متوقعة.
بالنسبة لي، آخر أول حقيقي كان في رحلة إلى كبادوكيا. لست مغامراً، لكني قررت أن أجرب شيئاً لم أفعله من قبل: ركوب منطاد. الفكرة كانت مخيفة. أن تصعد في سلة، ترتفع عن الأرض مئات الأمتار، لا شيء تحتك إلا الهواء. لكني ركبت. في تلك اللحظة، عندما بدأ المنطاد يرتفع ببطء، والأرض تبتعد، والمنازل تصبح أصغر، والجبال تتكشف من فوق، شعرت بشيء نسيته منذ الطفولة: دهشة خالصة. لا تفكير، لا تحليل، لا مقارنة. فقط أنظر وأنا مفتوح الفم. المناطيد الأخرى حولنا بألوانها الزاهية، والناس يلوِّحون لبعضهم من بعيد. الشمس تشرق من خلف الجبال. كنت هناك، في تلك اللحظة، أعيشها لا أفكر فيها.
نزلت من المنطاد بعد ساعة، وقلت: “هذا أجمل شيء فعلته في حياتي!”. ومشينا إلى الفطور. وبعد يومين، عدت إلى روتيني. لكن تلك الساعة بقيت.
السؤال الذي يلح عليّ: هل يمكننا أن نصنع الأوليات بعد أن كبرنا؟ أم أن الحياة محكومة بأن تصبح تكراراً حتى النهاية؟
أعتقد أن الإجابة بين بين. لا نستطيع أن نعيد طفولتنا. لا يمكن للعالم أن يبدو جديداً كل يوم كما كان في الخامسة من العمر. لكن يمكننا أن ننتبه، أن نختار.
بعض الأوائل نصنعها بأنفسنا. أن تتعلم لغة جديدة في الأربعين. أن تسافر وحدك لبلد لا تعرف لغته. أن تكتب كتاباً. أن تفتح مشروعاً. أن تتسلق جبلاً. أن تقول “أحبك” بصدق. أن تسامح من ظننت أنك لن تسامحه.
ليس كل أول يحتاج إلى منطاد فوق كبادوكيا. هناك أوائل صغيرة، لكنها حقيقية: أول مرة تطبخ لعائلتك، أول مرة تزرع شجرة وتظل تسقيها حتى تثمر، أول مرة تصلي بخشوع لا تفكر فيه بأي شيء آخر، أول مرة تستمع لصديقك حقاً دون أن تقاطع أو تنصح.
هذه الأوليات الصغيرة هي ما يبقي الحياة حية. لا يمكننا أن نركب منطاداً كل شهر، لكن يمكننا كل أسبوع أن نجرب شيئاً لم نجربه، حتى لو كان صغيراً، المهم أن نكسر الرتابة، أن نذكر أنفسنا أننا أحياء، أن العالم لا يزال يحمل مفاجآت.
هناك مقولة إن الإنسان يعيش طفولتين: الأولى حقيقية، والثانية في الشيخوخة. لكني أعتقد أن هناك طفولة ثالثة يمكن أن نعيشها في منتصف العمر، طفولة واعية، نختار فيها أن ندهش، أن نجرّب، أن نخطئ، أن نتعلم، ليست سذاجة الطفولة الأولى، بل حكمتها.
هذه الطفولة الثالثة تحتاج إلى شجاعة، تحتاج أن تعترف أنك لا تعرف كل شيء، تحتاج أن تتقبل الفشل، تحتاج أن تكون مستعداً أن تبدو أحمق أحياناً، لكن ثمن هذا كله هو الحياة نفسها.
أتمنى أن تكون جربت جديداً الأسبوع الماضي، أو هذا الأسبوع، أو غداً، لأن توقف الأوليات يعني توقف الحياة.
إننا لا نشيخ حين نكبر، بل حين نتوقف عن الدهشة.
