يختصر كثيرون النجاح في رقم: كم راتبه، كم كسب، كم جمع، وهذا اختزال مخلّ.
ليس المال مشكلة، ليس الطموح عيبًا، المشكلة أن يصير المال المعيار الوحيد، فيغيب السؤال الحقيقي: كيف وصل؟
قد يجمع رجل ثروة بالغش، بالكذب، باستغلال الضعفاء، ثم يُصفَّق له! يُسمَّى ناجحًا، وهو فشل أخلاقي في قناع براق، لو سمَّينا السارق الذي لا يُضبط “ناجحًا”، فقد قلبت المفاهيم.
الوسيلة ليست شيئًا ثانويًا يمكن تجاوزه، هي جوهر الحكم! إذا فسدت الوسيلة، فسدت النتيجة، النجاح الحقيقي: طريق نظيف، وهدف شريف.
تأمل هذا: طالب غش في الامتحان وحصل على الدرجة النهائية، أنجح هو أم الطالب الآخر الذي درس بصدق وحصل على درجة أقل؟ المجتمع الذي يصفق للأول يعلّم أبناءه أن الغش يجدي، وهذا هو الفساد بعينه (ملاحظة: شخصيا لا ألوم الطالب الذي يغش إذا كان النظام التعليمي مضطربا صعبا).
وكذلك التاجر: يبيع سلعة رديئة بسعر مرتفع، يخدع الناس، يستغل حاجتهم، يربح أموالًا طائلة، أناجح هو؟ لا، هو ناجح فقط إن كنا نعني أن السارق ناجح لأنه لم يُقبض عليه.
المدير الذي وصل لمنصب مدير إدارة ومدير عام ونائب رئيس، إذا كان قد ظلم بعض الموظفين في تقييماتهم السنوية، أناجح هو؟ لا أراه إلا وسخاً. يتسلق على ظهور الشرفاء. تسبب في تسريح بعض الناس لكي يحصل على موقف سيارة مغطى وراتب يسيل اللعاب. لن تخدعنا ابتسامتك الصفراء في لينكدإن وأنت تعلن عن منصبك الجديد.
التاجر الذي يعتمد نجاحه على علاقاته الشخصية الكثيرة لكنه يروّج لنفسه أنه نجح بسبب جهده وبدون واسطات، هذا ليس نزيهاً إطلاقا، متجر تملكه أسرة منتجة تبيع ألف ريال في الشهر لهو أشرف 100 مرة من المليونير الذي وصل لنجاحه بلسانه الثرثار وعلاقاته الغزيرة.
دعوناً أيضا نهاجم ذريعة “الظروف”، كثيرون يبررون انحرافهم: “البيئة قاسية”، “الطريق النظيف مستحيل”، “كل الناس تفعل كذا”، هذا تبرير مريح، لكنه خدّاع. الخيارات موجودة دائمًا تقريبا، الطريق النظيف موجود، لكنه أصعب، وأبطأ، وأقل بريقًا، من يختار الطريق الملوث يفعله بإرادته لا بإكراه الواقع، الفرق بين الناجح حقًا وغيره: الأول يتحمل مشقة الطريق، والثاني يبحث عن أقصر الطرق ولو كانت قذرة.
ثم هناك العوائق: الفشل، الشك، الخوف، اليأس، كلها حواجز طبيعية، أحيانًا تتراكم حتى تحجب الرؤية، لكنها لا تبرر التخلي عن المبادئ، بل تكشفها. الإنسان الذي يستمر رغم هذه العوائق، دون أن يفرط في قيمه، يبني نجاحًا متماسكًا، نجاحًا لا ينهار عند أول اختبار، لأنه بُني على أساس صلب.
بل إن من يسعى سعيًا شريفًا ولا يبلغ غايته، خيرٌ للمجتمع ممن يصل ويدوس رقاب الناس، لأن الأثر الذي يتركه الأول فيمن حوله: أثر نظافة وأمانة وقدوة، والثاني يترك أثرًا سامًا: تبريرًا للغش، ودعوةً إلى اللا مبالاة.
النجاح ليس شأنًا فرديًا معزولًا، من ينجح على حساب الآخرين يترك أثرًا سيئًا يمتد حوله، أولاده يرونه، زملاؤه يقلدونه، منافسوه يضطرون لمجاراته أو الخروج من السوق. أما من ينجح بجهده، مع حفظ حقوق غيره، فيضيف قيمة حقيقية، نجاحه لا يقتصر عليه، بل ينعكس على بيئته، يرفع سقف الأمانة، ويجعل الطريق النظيف ممكنًا لمن بعده.
ليس كل ما يلمع نجاحًا، المال وحده، الدرجة وحدها، المنصب وحده، كل هذا لا يكفي.
النجاح الذي يستحق هذا الاسم هو ما اجتمع فيه ثلاثة أشياء: هدف نبيل، وسيلة نظيفة، أثر نافع. بدون ذلك، نحن أمام مكاسب، لا نجاحات.
