كتابي "نغمات القهوة" متوفر للطلب، احصل على نسختك الآن!
كتابي نغمات القهوة
(رحلة شاملة في عالم القهوة، من تاريخها وفوائدها إلى ثقافاتها وأسرارها، لعشاق القهوة الباحثين عن المعرفة)

عصر الظلام الرقمي: هل ستعرف الأجيال القادمة أننا كنا هنا؟

في خزانةٍ عتيقة من خزائن المخطوطات العربية تقع عيناك على نسخةٍ من كتاب الحيوان للجاحظ، خُطّت بمدادٍ صمد في وجه ألف عامٍ من الزمان. هذه المخطوطة التي عبرت القرون، شاهدةً على عبقرية الأدب العربي وقوة الورق الذي قدّمه المسلمون للعالم وصنعوا به النهضة، لا تزال تمنحنا صوتاً حياً لمن كتبها في القرن الثالث الهجري. وبالمثل نجد أن قصص الأنبياء كقصة يوسف وعيسى عليهما السلام قد عبرت آلاف السنين محمولةً على رقاعٍ بسيطة أو نُقشت في صدور الحفاظ، لتصل إلينا غضةً طرية وكأنها حُكيت بالأمس. لكن ماذا عن صورنا التي نكدسها اليوم بالملايين في السحابة الإلكترونية أو تغريداتنا التي نملأ بها الفضاء الرقمي؟

إننا نعيش مفارقة تاريخية كبرى، فنحن أكثر جيل أنتج بيانات في تاريخ البشرية، لكننا قد نكون أول جيل بلا شهود في المستقبل!

البث الرقمي البارد الذي نعتمد عليه اليوم هو في الحقيقة نقطة ضعفنا الكبرى، فبينما صمدت ورقة الجاحظ المادية لأكثر من عشرة قرون، تعاني بياناتنا الرقمية من هشاشة مرعبة تُعرف بـ تلف الروابط (Link Rot)، حيث تختفي المواقع وتتغير التقنيات، ليصبح الوصول لما كتبناه قبل 5 سنوات فقط أمراً عسيراً، فكيف بما سنتركه بعد مئة عام؟

هذا الانغماس في الرقمية جعلنا أسرى لـ تشتيت الإنترنت، فبدلاً من القراءة العميقة والتوثيق الرصين كما فعل الأولون انحرفنا نحو الضحالة حيث نستهلك المعلومات بسرعة وننساها بسرعة أكبر، إننا نوثق تفاصيل يومنا الصغيرة باحثين عن اعتراف رقمي فوري يثبت وجودنا، لكن الحقيقة المرة هي أن هذه الصور المبتسمة التي نخلدها رقمياً قد لا تجد من يراها غداً إذا انطفأ التيار أو تغير الكود.

كان الناس يصنعون كبسولات زمنية مادية، يضعون فيها أشياءهم ليرى بشر المستقبل كيف عاشوا، كبسولات تستمر مدفونة تحت التراب مئات السنين. أما نحن فنضع ذكرياتنا في أجهزة لا يتجاوز عمرها الافتراضي بضع سنين. إن القيمة الحقيقية للإنسان لا تكمن في حجم البيانات التي يولدها بل في الأثر الذي يتركه، فالإنجاز الحقيقي ليس رقماً في حساب بنكي أو عدد متابعين.

إذا أردنا ألا نكون جيلاً منسياً فعلينا العودة لسحر الكتاب والتوثيق الذي يتجاوز الشاشات. القيمة التي ستبقى منا هي ما كُتب بصدق واستعصى على الزوال، تماماً كما بقيت أوراق الكندي والفارابي وابن عبد ربه والدينوري والأصفهاني تعطّر التاريخ رغم رحيل كاتبيها.

هل سنظل نراهن على سراب البث الرقمي أم سنصنع لأنفسنا شهوداً حقيقيين من قيم وأفكار تُكتب لتبقى؟ لو أتت كارثة كالحرب العالمية الثالثة التي يحاول اليهود والغربيون إشعالها منذ بضعة سنوات ومحت العالم الرقمي الذي اختلج مع خلايانا اليوم، هل ستعرف أجيال المستقبل أننا كنا هنا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *