كتابي "نغمات القهوة" متوفر للطلب، احصل على نسختك الآن!
كتابي نغمات القهوة

لماذا خُلِقتَ؟

سألتُه: لماذا خُلِقتَ؟ فأجاب: خُلقنا لعبادة الله.

لكن ليس هذا ما قصدتُه بالسؤال!

في الإسلام العبادة هي الهدف الذي يسعى إليه الجميع، لكن ما قصدته بسؤالي هو الغرض، الذي يختلف من شخص لشخص، لكل إنسان هناك غرض معين من خلقه، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: كُلٌّ مُيسّرٌ لِما خُلِق له. 

مثلاً يوضع متقدمون للجيش في منافسات بدنية صعبة، الهدف مُوحّد للكل وهو اجتياز اختبار اللياقة، لو سألت كلاً منهم لأجاب أن هدفه أن يجتاز الاختبار، لكن الغرض يختلف من شخص لشخص، فالأول غرضه أن يغير حياته، والثاني أن يخدم أمته، والثالث الوظيفة، والرابع ليخشوشن ويترك الدّعة، والخامس أن يطيع أهله، وهكذا. الغرض قد يكون شيئاً ظاهراً معيناً يريده الشخص وقد يكون غرضاً خفياً مصمماً له بدون علمه، ربما غرضك أن تشتهر، لكنك وُضِعتَ – بلا عِلمٍ عندك – لتزرع القِيَم في طفل سيكبر ليكون قائدا هاما.

فصيلة واحدة، أغراض شتى

لماذا أنا وأنت هنا على هذا الكوكب؟

سؤال يمسك بتلابيبي، يهزني بعنف، لا أستطيع تجاهله، أشغل بالي وبال الكثيرين، سؤال عظيم وقديم، قضى أناسٌ عشرات السنين إلى آخر لحظة في حياتهم يبحثون عن إجابته، بعضهم وجدها، غيرهم يئس وتوقف، كل شخص خُلِق لغرضٍ معين، غرضُ خلقي يختلف عن غرض خلقك أنت و هو و هي و هم و هنّ. البحث عن غرض الحياة ومعنى الوجود قديم، أقض مضاجع أهل العقول الذين تقلبوا مضطربين في الفراش، حائرين ينشدون الإجابة.

عيّنة من أغراض البشر

في المقهى سألت الكثير من الناس: لماذا خُلِقت؟ ما الغرض من وجودك في الدنيا؟ لماذا أنت هنا على هذا الكوكب؟

هذه إجاباتهم:

  • نفعُ الناس، قضاء حوائج الآخرين، أشعر أني مُسخّر لذلك.
  • لأترك أثراً إيجابياً في العالم.
  • لأضع أثراً طيباً وأساعد الآخرين، وربما هذا يبث رسائل إيجابية بشكل غير مباشر لبقية الناس، مثل من يشرب الماء من علبة كبيرة فيشجع الآخرين أن لا يشتروا علب الماء البلاستيكية الصغيرة التي تضر البيئة.
  • لأصنع أثراً إيجابيا، وأَثَري هذا ربما يتوسع عندما ينشر هؤلاء الخير لغيرهم.
  • إعمار الأرض، مساعدة الآخرين، وتطبيق هذا كله في عملي في هيئة المواصفات والمقاييس.
  • أريد أن أترك أثراً وإضافة إيجابية على حياة الناس، منذ الصغر وأنا أفكر في هذا السؤال!
  • أعتقد أن غرضي هو أن أصير ثرياً لأساعد الناس بمالي، خاصة في مجال التشجير والتخضير، لكن هذا جزء من الإجابة، لا أعرف الإجابة كلها ولا الغرض الكامل من وجودي في الدنيا، سأبحث عنه وأكتشفه فيما بعد.
  • وُجدنا صدفة في الدنيا، لا غرض من وجودنا إلا إتمام استمرار الوجود البشري.
  • غرضي أن أشجع الناس وألهمهم، أنا مدربة يوغا وأرفع أرواح الناس المعنوية من خلال عملي هذا، وكذلك لأساعد زوجي وأبنائي، لكن الحقيقة أن سؤالك صعب والإجابة معقدة، أنا مؤمنة بمبدأ “ين و يانغ Yin and Yang”، في الماء إما أن نغرق أو نطفو وتعتمد هذه على ما نفعله نحن، صرت أستشعر آلام الناس وأحاول أن أقوي عزمهم وأساعدهم وأن أكون حساسة تجاه ما يشعرون به في الداخل بدون أن يصرّحوا به.
  • لأترك أثراً إيجابياً وأخلق قيمة، مثل عائلة أرعاها أو شركها أبنيها إلخ، كلها تندرج تحت ترك أثر، شخصيا أرى أن قيادة شركة أفضل من عمل روتيني لا يؤثر في العالم، التعليم مثال آخر لترك أثر إيجابي، والاستمتاع بالحياة كذلك.
  • العناية بأهلي، السيطرة على مشاعري، راحة البال، أشعر أني وجدت الإجابة.
  • لأخلق أثراً بإنقاذ حياة الناس خلال عملي كطبيب، وتدريب الآخرين على ذلك.
  • فاجأني سؤالك! الحقيقة أنه لا أحد يعرف الغرض الأكبر، لكن غرضي الآن هو التخرج من الجامعة بنسبة عالية، بعدها سأبحث عن الهدف بعيد المدى، كل مرحلة لها هدف متوسط المدى.
  • إجابة سؤالك تعتمد على وضعي في تلك اللحظة، كل إنسان يطمح للخلود، الناس يريدون ترك أثر، المتعة في تجربة أشياء جديدة، العيش في اللحظة، العناية بالأهل والبر بهم، كل فترة في الحياة لها هدف مختلف، في النهاية أتمنى أن يكون لدي ذكريات جميلة.
  • التأثير الإيجابي على الأقارب، أن أتواجد وقت حاجتهم، أنا منجذب للتخصصات الصحية خاصة المجالات التي فيها حفظ لحياة الناس.
  • عموماً لأترك أثراً طيباً، أشعر أني الرابح الأول من ذلك، مثل ترك كتاب نافع يبقى أثره الطيب بين الناس.
  • لم أفكر في السؤال من قبل! عندما يكبر الشخص يفكر، أنا جزء من المجتمع ويجب أن أنتج، العطاء والإنتاج فيها سعادة للإنسان، الكثير من مشكلات الإنسان تأتي من التوقف عن الإنتاج والعطاء، الإنتاج عنصر أساسي من السعادة.
  • أجد غرضي في الطب، إنه متعب لكن هناك نشوة فيه، مجالي هو استئصال الأورام، هناك قصص مؤلمة ولكن هناك قصص لها نهاية سعيدة، حياتي مكرسة لهذا الآن.
  • كل شخص له غرض معين، يعتمد على نمط حياة معينة يدفعك نحو الشغف، مجتمعنا سلبي في الكلام، أريد تغيير محيطي أولا خاصة بالإرشاد والتوجيه، والتغيير من خلال المشاريع والابتكار، عمارة الأرض، والشعور بالسعادة والذات، كل شخص له مسار معين، شيء يخص العائلة أو الأصدقاء وما إلى ذلك، الهدف يجب استكشافه، وأنا من هؤلاء، لدي أهداف أسعى على آثارها. 
  • لا توجد سعادة أبدية لكن كلنا ينشد السعادة، الهدف يجب استكشافه ولدي أهداف أطمح أن أستكشفها، كل شخص له مسار معين، أشياء تخص العائلة أو الأصدقاء إلخ.

أثر التفكير في السؤال

لكن ماذا لو لم نفكر في في السؤال؟

هناك أثر إيجابي لمن لا يتفكر في معنى الحياة، والأثر هذا هو السعادة أو المتعة، قدرة زائدة على العيش في اللحظة.

ينغمس في اللحظة، يشعر بها، يطوف في يومه، يندمج في ظروفه المباشرة سواء إيجابية أو سلبية، وهنا حتى العيش في اللحظات السلبية شيء طيب مقارنة بشعور الضياع الذي يصاحب المفكر في غرض الحياة، فمن يشعر أن تعطُّل جهاز في المنزل أو مشكلة في العمل أو خلاف مع الزوج\الزوجة هي المشكلة الكبرى فسيرتاح فور زوالها، وأما اللحظات الطيبة فلن يكدرها الانشغال بالمستقبل والأسئلة الوجودية.

أعتقد أن هذه هي الإيجابية الوحيدة لعدم التفكير في معنى الحياة وغرض وجودك، ولكن غير ذلك فهي سلبية، فأولاً أنت ضائع حتى لو لم تشعر بذلك، ستغرق في أحداث يومك المباشرة فتنسى ما هو أبعد منها، هذا مثل أن تكون في سيارة مع عائلة وأصدقاء، تأكل أو تشرب، تحصل نقاشات ومزاح وحوارات وخلافات، كلكم مندمجون في اللحظة، لكن السيارة تمشي ولا أحد يعرف أو يركز على وجهتها النهائية، وكذلك من لا يفكر في غرض وجوده ومعنى حياته.

أن لا تفكر في السؤال يعني أن تحرم نفسك من مصير أفضل من مصيرك المتوقع الآن، تخيل شخصا لا يرى أبعد من أداء مهامه اليومية في وظيفته مقارنة بموظف ينظر للمستقبل فيأخذ الدورات (ولو على حسابه) ويقرأ الكتب ويبني العلاقات، الأول لا جُناح عليه طالما أدى عمله لكن مساره بطيء وربما جامد، الثاني هو الذي تُفتَح له الأبواب المهنية والفُرص، سيعاني من قلق التفكير في المستقبل لكنه أفضل مصيرا.

عندما تفكر في السؤال فإنك ستتخذ قرارات تنفعك ولو بعد 50 سنة.

الألم يحطّم الملقَّنات

مر بي موقف آلمني بشدة، موقف صادم، خَدَشَ جوهري ونظرتي لنفسي وللوجود كله وأنزفَ كل ما كنت أعتمد عليه من مبادئ وأسس، تلك العبارات المعلّبة التي يحشونها في عقولنا منذ الصغر بالتلقين والتكرار والتي تنهار في المواقف العسيرة كهذه، كل ما كنت أظن أنه صخرة لعشرات السنين صار في أقل من 25 دقيقة غبارا يتطاير.

حينها برز هذا السؤال من جديد لكن ليس كشخصٍ لحوح كما في الماضي بل الآن كعملاق يسد الأفق أعجز أن أتجاهله. في أوائل عشريناتي مثل الكثيرين ممن يشاركونني التفكير فإنني طرحت الأسئلة الوجودية لنفسي ولغيري، ثارت مناقشات ممتعة وساخنة، وفي نهاية اليوم عدتُ لمضجعي سعيداً، ولكن ليس هذا وضعي بعد ذاك الموقف، لم يعد السؤال مجرد تمرين فكري ممتع، صار اختباراً حقيقياً لمبادئي وجوهري، ما أيقنت به من قبل تَفتَّت على محك الاختبار، صار سؤالاً يجر الألم والمعاناة. ماذا الآن؟ أين أذهب؟ لماذا أنا هنا أصلاً؟

معنى الحياة للصمود في الجحيم

في مخيمات النازية وقت الحرب العالمية الثاني سُجِن الطبيب النفسي فيكتور فرانكل، لم يكن له ذنب إلا عِرقه الذي اختاره الله له، وهناك رأى الأهوال، رأى التعذيب والموت، رأى الوحشية عياناً، ورأى عَجَباً: هناك فرق كبير بين المسجونين، فبعضهم انهار بعد فترة من هذه الظروف المريعة وصاروا موتى وهم أحياء، وبعضهم صمد حتى النهاية وتحرر على يد القوات الفاتحة. ما الفرق بين الاثنين؟ لماذا صمد البعض وانهار البعض؟ معنى الحياة.

الصامدون اشتركوا في عامل واحد: كل منهم رأى أن هناك معنى لحياته وغرض من وجوده، ولذلك مهما تعرضوا للإيذاء اللفظي والجسدي والعمل الشاق لساعات لانهائية مع الجوع الذي لم يتوقف في أقرس درجات البرودة والتعذيب والقتل حولهم، رأى صاحب المعنى في الأفق نجمة عظيمة مضيئة يسعى إليها، يمشي إليها كنجم الشمال الذي يهدي الطريق، هانت الآلام وأشعّت الآمال لما تشبثوا بمعنى الحياة، فأحدهم صمد لأن معنى حياته أن يخرج من المعتقل ليضم أمه، أو مَن يصر أن يبقى ليعبد ربه، أو يساعد المعتقلين عند خروجهم ويواسيهم ليبنوا حياتهم من جديد، أو يبني بيتاً وعائلة، أو يكمل تعليمه، الدكتور فيكتور كان معنى حياته آنذاك هو الكتابة، عزم أن يصمد ويتحمل حتى إذا خرج كتب كتاباً يصف فيه تجربته وينقلها لبشر الحاضر والمستقبل، وهذا ما فعله في كتابه Man’s Search for Meaning (بَحْثُ الإنسان عن المعنى)، ووضع نوعاً من علم النفس اسمه Logotherapy يقوم على إيجاد معنى للحياة للمراجعين النفسيين لديه، نظريته أن الطبيب إذا اكتشف مع المريض معنى لحياته فإن المريض يُشفى، وأن جُلَّ الأمراض النفسية تأتي من عدم معرفة هدف الحياة، واسم هذا الفرع من الطب يأتي من كلمة therapy أي “العلاج” و logos وهي كلمة إغريقية تعني “المعنى”.

إذن أخبرني، لماذا أنت هنا؟ ما الغرض من وجودك؟ لماذا أنت الآن تعيش وتتنفس بينما غيرك لم يُخلَق بعد أو مات صغيرا؟

انظر لنفسك في المرآة وأجِب: لماذا خُلِقت؟

One thought on “لماذا خُلِقتَ؟

  1. يا أخي الكريم كل ما ذكرته هنا من إجابات وردود يدور حول فلك أننا خلقنا الله هنا في هذه الأرض لنعبده ولا نشرك به شيئا فالذي وهبنا كل هذه النعم وصرف عنا أنواع النقم ألا يستحق أننا نفرده بالعبادة ونقوم بتسخير جوارحنا لطاعته والعبادة بمعناها الشامل : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *