أول مرة سمعت بزواج المسيار كانت قبل قرابة 25 سنة، ظاهرة شاذة آنذاك حرّمها بعض العلماء، فظننت أنها “هبّة” ستزول، لكن بعد ربع قرن انتشر أكثر مما توقعت، حتى رأيت بعض مشاهير أطباء النفس والمحامين يتكلمون عنه في السوشل ميديا. الآن السعودية أكثر بلد ينتشر فيه هذا النوع من الزواج.
زواج المسيار عقد شرعي لكن الفرق بينه وبين الزواج العادي أن المسيار تتنازل فيه الزوجة عن حق السكن وحق النفقة، فتظل ساكنة في بيتها أو بيت أهلها وتنفق على نفسها.
المسيار في ظاهره له منافع، فهو يمكّن من الزواج لأنه يخفف الأعباء المالية الهائلة (في السعودية تتراوح التكاليف التي يتكبّدها الرجل بين 150 ألف إلى 300 ألف ريال). هذا ممتاز! سيحل مشكلة أخرى وهي العنوسة والطلاق، العانسات يبلغن 10% من النساء، غير المتزوجات قرابة ثلث النساء، ما يشارف على نصف الزواجات تنتهي بالطلاق، وعدد المطلقات يتجاوز 350 ألف.
تبخّر تفاؤلي لما قرأت أن 80% من زواجات المسيار لا تدوم إلا ما بين أسبوعين إلى شهرين! وبعدها تظهر الخلافات والطلاق.
الإنسان هو الإنسان، يخاف الوحدة، يتجوّع للحب، يحنّ إلى رفيق. زواج المسيار يفضح ما نحاول إخفاءه: أننا نريد المتعة دون المسؤولية، نريد الشرعية بلا أعباء، نريد أن نعيش وهم الحب من غير أن ننغمس في واقعه اليومي. المسيار يكشف أننا لم نعد نحتمل ثِقَل الزواج كما ورثناه، ولا نملك الشجاعة لنواجه الحقيقة: أننا في أعماقنا نحلم بعلاقة تمنحنا كل شيء وتطلب منا لا شيء.
هل قسوتُ عليه؟ إذاً لماذا لا يصبر الرجل والمرأة على بعضهما في المسيار أكثر من شهرين في أفضل الحالات؟ يقول الخبراء إن الزواج العادي يحتاج قرابة 5 سنوات ليعتاد الزوجان بعضهما، فأي خلافات بين الزوجين في أول السنين يمكن تجاهلها لأنها مؤقتة، والزواج سوف يزداد رسوخاً وقوة بعد عدة سنين وحينها تقل الخلافات ويفهم الاثنان بعضهما أكثر. لكن أي فرصة نعطيها زواج المسيار إذا كنا سنكسر الميثاق الغليظ بعد أسبوعين؟
هذه مشكلتي مع زواج المسيار، الإحصائيات – إن صحّت – لها فصل القول، وإذا كانت أربعة أخماس زيجات المسيار تنتهي بالطلاق، فقد آن له أن يأفل ويندثر كما فعل بأحلام وآمال أصحابه.
