قضيتُ أكثر من 20 سنة أعمل في الشركات.
في أول وظيفة لي كموظف دعم فني عبر الهاتف، كانت فلسفة العمل واضحة إلى حد البراءة: تعال في الوقت المحدد، أجب على المكالمات، عد إلى بيتك. لا أحد يسألك عن “الرؤية”، ولا عن “قيم الشركة”، ولا عن “أصحاب المصلحة”. كنتُ أعود سعيدًا لأنني فعلت ما طُلب مني، وانتهى الأمر.
لاحقًا، حين دخلتُ دهاليز الإدارة، اكتشفت أن العمل لم يعد عملًا. صار سياسة. صار مسرحًا. صار لعبة طويلة النفس. كلما ارتفعت “رتبتك” واتسعت مسؤولياتك، لم يعد المطلوب منك أن تُنجز فقط، بل أن تُدير الانطباع عن إنجازك. أن تفهم من يتكلم أكثر ممن يعمل، ومن يعمل أكثر ممن يتكلم، وأيّهما أخطر.
تعلّمتُ أن عليك أن تتقن أساسيات الدبلوماسية الدولية. أن تعرف متى تصمت، ومتى تتكلم، ومتى تكتب، ومتى تترك الرسالة “Draft” ولا ترسلها. أن تفهم أن CC ليس أداة تنظيم، بل سلاح دقيق الاستخدام. ضغطة واحدة قد تحميك، وضغطة أخرى قد تصنع لك عدوًا دائمًا.
تعلّمتُ أن “الاجتماعية المستمرة” ليست رفاهية. إن اختفيتَ قليلًا، قالوا: أين فلان؟ وإن طال غيابك، دفنوك معنويًا، وربما عاقبوك باسم “ضعف التواصل”. وأن الشكوى ليست دائمًا نتيجة خطأ، بل أحيانًا أسلوب وقائي. يشتكيك زميلك اليوم ليحجز موقعه غدًا. سيضحي بك بلا تردد.
تعلّمتُ أن الكلمات لم تعد كلمات. كل جملة قابلة للتأويل، وكل نبرة قابلة للتضخيم، وكل زلة صغيرة قد تتحول إلى ملف. وأن الزميل المبتسم المصافح بحرارة قد يطعنك بلا تردد، دفاعًا عن نفسه ضد هجومك (المتخيَّل) أو طمعًا في ترقية.
وتعلّمتُ أخيرًا أن الاجتماعات “الاختيارية” ليست اختيارية. أن وجودك في غرفة يجلس فيها الرئيس وكبار المدراء أهم من جودة عملك نفسه. وأن معظم وقتك لن يُصرف على العمل الحقيقي، بل على إدارة العلاقات، وتهدئة النفوس، وقراءة المزاج العام.
باختصار، كلما تقدّمت في السلم الوظيفي، صرتَ أقل عاملًا، وأكثر سفيرًا. جزء صغير من يومك عمل، والباقي محاولة مستمرة للبقاء آمنًا، مرئيًا، مُحصَّناً ضد الغدرات.
