اليوم آتي لكم بفيلم عجيب اسمه Memento ، لم أر مثل إيقاعه!

متاهة عبر الوقت
الفيلم يحكي قصة لينارد شيلبي الذي يبحث عن قاتل زوجته، لينارد تعرض لضربة في رأسه لما قاوم القاتل مما أصابه بنوع من فقدان الذاكرة بحيث لا يستطيع أن يصنع أي ذكريات جديدة، لذلك يضطر إلى استخدام الملاحظات والصور والأوشام ليذكر نفسه باستمرار بالمعلومات الجديدة كي يلاحق القاتل، لكن طريقة السرد فريدة: الفيلم بعض أجزائه ملونة، وهي رحلته في البحث عن القاتل، وبعضها أبيض وأسود، وفيها نراه في غرفة يكلم شخصا مجهولا على الهاتف.
الأجزاء الملونة تتحرك عكس الزمن، مشهدا بعد مشهد، كل لقطة تعيدك خطوة إلى الوراء. الأحداث لا تُبنى، بل تُفكك. النتيجة تسبق السبب، والفعل يسبق الدافع. في المقابل، يمضي الخط الأبيض والأسود بهدوء زمني طبيعي، صوت واحد، غرفة واحدة، وحكاية تتقدم بثبات.
بهذا الترتيب، يُجبر الفيلم المشاهد على العمل الدائم. كل مشهد يبدأ من منتصفه، أو من نهايته، ويتركك تبحث عن السياق كما يفعل البطل نفسه. المطاردات، الشجارات، والقرارات تظهر فجأة، ثم تُفهم لاحقا، وكأن الفهم نفسه يأتي متأخرا دائما.
مع مرور الوقت، يبدأ الخطان في الاقتراب. المسافة بينهما تضيق، والتوتر يتكاثف، إلى أن يلتقيا في لحظة واحدة، ويتحوّل الأبيض والأسود إلى لون. عندها تتضح الصورة كاملة، وتنكشف لطريقة كاملة في الخداع، خُدعة بصرية وسردية محكمة.

براعة نولان
الفيلم هو ثاني فيلم للمخرج العبقري كريستوفر نولان، وهو مخرج أفلام لا تكاد تجد له نظيرا، هو مخرج ثلاثية باتمان (Batman Begins و The Dark Knight و The Dark Knight Rises) وهي أفضل أفلام باتمان صُنِعَت حتى الآن، وهو مخرج Inception و Interstellar و Oppenheimer و Dunkirk.
مما يتميز به نولان هو قدرته على مفاجأة المشاهد باستمرار، لا يفعلها لمجرد المفاجأة بل لغرض سردي معين، المفاجأة تخدم القصة، وهو لو سرد لك قصة حياتك لاستطاع أن يحيكها بحيث تتفاجأ منها! يقول آينشتاين أن علامة الذكاء هي القدرة على تبسيط الأفكار المعقدة، وهنا يتميز نولان، فهو يستطيع أن يأخذ فكرة بالغة التعقيد (مثل فكرة Memento و كذلك Inception) لكنه يخرجها بطريقة ممتعة ويمكن فهمها في نفس الوقت، ولو أخرجها غيره لضاع المشاهد في زوبعة التقلبات.

لغز الذات ومعضلة الهوية
سؤال يطرحه الفيلم بلا قصد: ما هي الذات؟
لو سألتك عمّا يكوّنك كشخص، ما هو؟
هل ستقول “معلوماتي عن نفسي والتي أحتفظ بها في ذاكرتي”؟ ربما. هذا جزء من الصورة، لكن تجربة لينارد تكشف شيئًا أعمق.
لينارد لا يملك ذاكرة متصلة، ومع ذلك يملك ذاتًا واضحة. ما يُبقي هذه الذات متماسكة هو القصة التي يعيش داخلها. قصة واحدة، بسيطة، لكنها كافية لتمنحه اتجاهًا ومعنى: زوجته قُتلت، وهو الرجل الذي يبحث عن قاتلها. هذه القصة تعمل كعمود فقري لوجوده، تنظم أفعاله، وتحدد قراراته، وتمنحه سببًا للاستمرار.
الفيلم يلمّح إلى أن الذات لا تُحفظ في الذاكرة فقط، بل تُبنى عبر سرد داخلي مستمر، يُعاد ترتيبه وتثبيته كل يوم. الذات هنا ليست ما نتذكره، بل ما نُصرّ على أن نكونه، والقصة التي نسمح لها بأن تقود حياتنا حين تغيب التفاصيل.
هذا يتجلّى عن حقيقة مزعجة: إننا سنكذب لكي نتمسك بقصتنا الداخلية. إنها الهيكل الذي تقوم عليه هويتنا. لو كانت فكرتك أنك شخص محبوب، فإن أي تعبير ضجر، أو تجاهل، أو فظاظة ستكون شديدة الوطأة، لأنك تتمسك بكذبة أن من حقك أن تكون محبوبًا من الجميع، وهو ما لم يكن ولم يكن ممكنًا لأي إنسان.
ولو كانت قصتك أنك شخص أخلاقي دائمًا، فإن أي خطأ صغير، أو نفاق عابر، أو مصلحة شخصية ستُقابل بالإنكار أو التبرير، لا بالاعتراف، لأن الاعتراف يهدم الصورة التي تعيش داخلها.
ولو كانت قصتك أنك قوي ولا تُهزم، فإن الفشل لن يُقرأ كفشل، بل كخيانة من الآخرين، أو مؤامرة، أو ظلم، لأن قبول الضعف يعني انهيار السرد الذي يمنحك كرامتك.
ولو كانت قصتك أنك ضحية دائمة، فإن أي مسؤولية شخصية ستُرفض، وأي فرصة للتغيير ستُهمل، لأن استمرار الألم يصبح شرطًا لاستمرار الهوية نفسها.

العدالة التي لا تشفي الغليل
في قلب Memento لا توجد قضية قتل بقدر ما توجد مسألة أخطر: لماذا نُصِرّ على الاستمرار حتى حين يصبح التوقف أصدق؟ هنا يندمج الانتقام بالخداع، ويذوب الفاعل في المتلقي.
الانتقام في الفيلم ليس حلاً، بل طقس، إنه فعلٌ يُعاد أداؤه لا ليُغلق الجرح، بل ليُبقي القصة مستمرة. لينارد لا يقترب من الشفاء كلما اقترب من “العدالة”. بالعكس، العدالة هنا تُستَخدم كوقود. لو انتهى الانتقام، انتهى الدور. ولو انتهى الدور، ظهر الفراغ. لذلك لا يُسمَح للنهاية أن تكون نهاية. يُعاد تدوير الغضب كي يستمر المعنى.
الأخطر أن الفيلم لا يترك هذه اللعبة داخل رأس لينارد فقط. المشاهد يُسحَب إليها خطوة خطوة. السرد المقلوب لا يربكك عبثًا، بل يدرّبك على تبني منطقه. أنت، مثل البطل، تُجبر على اتخاذ مواقف أخلاقية بمعلومات ناقصة. تتعاطف قبل أن تفهم. تُدين قبل أن ترى الصورة. ثم حين تتضح الخديعة، لا تستطيع التراجع بالكامل، لأنك كنت شريكًا فيها.
هنا يحدث الدمج الكامل بين الطقس والضحية. لينارد ضحية فعلًا، لكنه أيضًا كاهن الطقس. هو الذي يختار ما يُحفَظ وما يُمحى. العدالة لا تُطلب لأن حقًا ضاع، بل لأن السرد يحتاج خصمًا. والخصم، أيًا كان، سيؤدي الغرض. الاسم يتغير، الفعل يبقى. المهم أن تستمر الحركة. المهم ألا يتوقف الزمن عند لحظة الاعتراف.
الفيلم يلمّح إلى حقيقة غير مريحة: كثير مما نسمّيه “سعيًا للحق” هو في الواقع هروب من الصمت الذي سيأتي بعده. نحن لا نخاف من الكذب بقدر ما نخاف من غياب القصة. لذلك نفضّل عدالة ناقصة على فراغ كامل. نفضّل خصمًا وهميًا على مواجهة سؤال بلا إجابة.
وفي هذه النقطة، يصبح المشاهد هو الضحية الأخيرة. لأن الفيلم لا يمنحك موقع القاضي المريح. لا توجد منصة أخلاقية عالية تقف عليها. في اللحظة التي تفهم فيها كل شيء، تكون قد استثمرت عاطفيًا في الوهم. تتألم، لا لأن الحقيقة ظهرت، بل لأنك تدرك أنك لو كنت مكان لينارد، ربما فعلت الشيء نفسه. ربما أحرقت الصورة. ربما اخترت هدفًا جديدًا.
هنا تكمن قسوة الفيلم. هو لا يتهمك، ولا يعظك. فقط يضعك أمام مرآة: العدالة التي لا تُنهي شيئًا ليست عدالة. لكنها مريحة. والخداع الذي يمنحك سببًا للاستيقاظ كل صباح قد يكون أثمن، نفسيًا، من حقيقة تُسقطك في الفراغ.
Memento لا يشرح لماذا يكذب البشر. يشرح لماذا يحتاجون إلى الكذبة. وهذا أخطر بكثير.

خاتمة
فيلم فريد في ترتيب مَشاهده ويستحق المُشاهدة، يقلب دماغك رأسا على عقب، ويصدمك في النهاية.
