كتابي "نغمات القهوة" متوفر للطلب، احصل على نسختك الآن!
كتابي نغمات القهوة

تقييم كتاب “أفغانستان: قصة جندي روسي”: ماذا رأى الجندي السوفييتي في أفغانستان؟

في الثمانينات الميلادية، غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان، الهدف دعم حكومة ضعيفة موالية للاتحاد السوفيتي وحمايتها من الانهيار، وبدأت حرب شنيعة استمرت 9 سنوات، أباد فيها الشيوعيون 3 ملايين مسلم وارتكبوا جرائم حرب كثيرة، لكنهم وقعوا في شراك المجاهدين الأفغان وتورطوا في حرب عصابات شرسة قتلت من السوفييت 15 ألفاً وجرحت عشرات الآلاف، ويئس السوفييت وانسحبوا من أفغانستان رغم أعدادهم الهائلة  (قرابة مليون جندي) وتطور أسلحتهم مقارنة بالأفغان، محققين سمعتها الشهيرة كمقبرة الإمبراطوريات، فغير الإمبراطورية السوفيتية في القرن العشرين فإن الأفغان هزموا الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر، والإمبراطورية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين، بل حتى من أيام الإسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد كانت أفغانستان أشرس معاركه، ورغم أنه انتصر بصعوبة إلا أنه بعد وفاته كانت هي أول إقليم ينتفض ضد الهيمنة المقدونية مما تسبب فيما بعد بانهيارها.

انتهيت من قراءة كتاب اسمه “أفغانستان: قصة جندي روسي”، كتبه جندي روسي خدم في الجيش السوفيتي، قضى سنتين في حرب أفغانستان ثم وضع مذكراته في هذا الكتاب، وهي أول مرة أرى فيها الحرب من منظور جندي روسي.

التجنيد كان إجباريا، والجنود فعلياً أقرب لسن الطفولة (19)، ولم يكن لديهم خيار كما يقول المؤلف فلاد، فلم يكن أحد منهم يريد أن يحارب في أفغانستان، حتى إن بعض الشباب كسر رجليه لكي لا يزجّوا به في الحرب، وبعضهم دفع رشاوي، أما فلاد فقد أمروا به إلى هناك، وودعته أمه باكية قائلة “أي مكان ما عدا أفغانستان!”

يصف كابل لما وصل إليها أنها مدينة عادية: سيارات أجرة، ترولي باصات، جامعات. كل شيء طبيعي، لولا…ناقلات الجند المدرعة في الشوارع، وصيحات الدوريات الأفغانية (الموالية للروس) الحادة في الليل “قف!” التي يصرخون بها على المدنيين، صواريخ تسقط بانتظام.هذا المشهد الطبيعي جنباً إلى جنب مع الآلة العسكرية: هذا هو وجه أفغانستان الحقيقي. ليست مدينة محتلة بالكامل، وليست مدينة طبيعية بالكامل. شيء بينهما. شيء لا يفهمه إلا من عاشه.

في قاعدتهم العسكرية بنوا نصباً تذكارياً “لإحياء ذكرى الجنود الذين يؤدون واجبهم الدولي”. التلفاز السوفييتي أعلن تدشينه بهذه الكلمات: “هذا النصب سيصبح رمزاً للصداقة الأفغانية-السوفييتية”. هم شعروا به بشكل مختلف. بالنسبة لهم كان شاهد قبر عملاق. رمزاً للثأر. يثأر السوفيتيون ممن بقوا هناك إلى الأبد. يثأرون منهم من أجل إخوانهم الذين سقطوا. وكلما طال بقاؤهم هناك، ازدادت هذه الحلقة ضراوة. وهذا هو المعنى الحقيقي لذلك النصب.

يقول فلاد: “الأوسمة والميداليات التي ستُمنح بعد قليل… في داخلها دماء أصدقائنا، وجع قلوبنا. الحياة والموت، الكآبة واليأس. نحن الجنود في هذا العالم فعلنا ما نستطيع. أعطينا حياتنا لهذه القضية، ليست من أجل مُثُل عليا، بل من أجل أهداف غامضة لا نعرفها. في هذه الأوسمة حياة الذين ماتوا، وألم الذين عادوا. إنها لا تحمل المجد، بل تحمل الثمن”.

يشرح أن هذه الحرب الهائلة لم تكن قرارا جماعيا من عشرات الناس في الحكومة السوفيتية، بل هي قرار 4 رجال كبار في السن في الحزب الشيوعي! أربع أشخاص صنعوا كل هذا الدمار وهذه المقتلة.

فلاد: ” لم نكن نعرف ما سيحدث غداً. كنا نحاول أن ننسى ما حدث أمس. لم نؤمن بالغد. ولم نستطع نسيان ما حدث أمس. جملتان فقط، لكنهما تختصران تجربة الجنود في الحرب. العيش في حالة تعليق دائم: الماضي مؤلم جداً لدرجة أنك تريد الهروب منه، والمستقبل مجهول جداً لدرجة أنك لا تستطيع التخطيط له. لا يبقى إلا الحاضر، وهو جحيم”.

يصف النساء أنهن يعنين لهم الكثير، ربما أكثر من اللازم. كُنَّ الشيء الوحيد الذي يربطهم بالعالم الآخر، في وسط كل هذه الوحشية والموت والدمار، تبقى المرأة كذكرى للحياة، للحنان، للإنسانية. صور النساء في بلادهم، أمهاتهم، زوجاتهم، حبيباتهم. الشيء الوحيد الذي يجعلهم يتذكرون أنهم بشر، أن هناك عالماً آخر غير هذا العالم القاسي.

المفاجأة الأكبر في الكتاب هي كم هي الحرب “عمل” بالنسبة للكثيرين. ليس كل من قاتل كان مقتنعاً بقضية. ثلاثة مجاهدين أُسروا في الجبال، تبين أنهم طلاب أفغان كانوا يدرسون في جامعات سوفييتية. جاؤوا لقضاء العطلة الصيفية وقرروا أن يكسبوا بعض المال. هذا الوجه من الحرب لا تظهره الأفلام عادةً: أنها سوق عمل، فيها عروض وطلبات، فيها منافسة ومناطق نفوذ. بل إن المعارك كانت أحياناً بين مجموعات المجاهدين نفسها على مناطق النفوذ. الحرب تجارة، والسياسة لا تعني شيئاً لجياع.

يتحدث عن الفرق بين من يصنع القرارات ومن ينفذها. الجنرالات يأتون، يضعون خططاً، يوزعون أوسمة، ثم يذهبون. أما الجنود فيبقون هناك، في الوحل والدم. الفرق بين “الأطفال الكبار” (قادة الجيش) الذين يرون الحرب لعبة استراتيجية، وبين الجنود الذين يرون أصدقاءهم يموتون كل يوم. هذا الموضوع قديم قدم الحروب، لكنه هنا يُروى بصوت من كان هناك، لا بصوت مؤرخ أو محلل.

عندما يعود الجندي إلى بيته، لا يعود كما كان. “أصدقائي في الوطن بقوا هناك، لكني عدتُ شخصاً مختلفاً. لم أستطع أن أعيش كما كنت أعيش من قبل”. العودة أصعب من الذهاب. أولئك الذين لم يذهبوا لا يستطيعون فهم ما حدث، وأولئك الذين عادوا لا يستطيعون شرحه. الفجوة بين من رأى الحرب ومن لم يرها لا تُردَم أبداً. هذا هو الثمن الحقيقي للحرب: أنت تعود، لكنك لا تعود كاملاً أبداً.

النجاة ليست بطولة. الكتاب ينسف الفكرة الرومانسية عن “البطل” في الحرب. الناجي ليس دائمًا أشجع أو أذكى أو أنبل، بل أحيانًا هو الأوفر حظًا أو الأشد تحمّلًا أو حتى الأكثر قسوة. النجاة هنا ليست وسامًا أخلاقيًا، بل نتيجة صراع بدائي مع الجوع والخوف.

الصمت يصبح اللغة الحقيقية لمن مرّوا بهذه التجربة. ما يحدث في الحرب لا يمكن شرحه بسهولة للمدنيين. الكلمات اليومية لا تتسع لوصف الجوع الطويل أو الضرب أو فقدان الأصدقاء. لذلك يعود الناجون غالبًا صامتين، كأن بينهم وبين الآخرين جدارًا غير مرئي. لم يستطيعوا أن يتواصلوا بشكل حقيقي إلا مع الجنود الأمريكان الذين عادوا من حرب فيتنام، وحصلت اجتماعات بين الجنود السوفييت والأمريكان ربطت بينهم رغم حاجز اللغة.

الإنسان تحت الضغط الشديد يعود إلى حالته الأولى. تسقط الأقنعة الاجتماعية، وتختفي الأدوار المهنية والثقافية. لا يبقى مهندس ولا طالب ولا شاعر، بل رجل جائع يحاول أن يبقى حيًا. الحرب تعيد الإنسان إلى شكله البدائي، وتكشف كم من الحضارة كان مجرد ترتيب خارجي.

أصعب ما في التجربة ليس الألم نفسه، بل فقدان المعنى. حين لا يعرف الإنسان لماذا يتألم، يتحول الألم إلى عبء لا يُحتمل. الذين استطاعوا أن يجدوا سببًا للبقاء (أمًا تنتظر، بيتًا بعيدًا، وعدًا بالعودة) كانوا أقدر على الصمود. المعنى يصبح طاقة خفية تدفع الجسد المنهك.

والدرس العميق الذي يخرج من بين الصفحات هو أن الإنسان كائن قابل للكسر أكثر مما يظن، لكنه أيضًا قابل للاستمرار أكثر مما يتخيل. قد يُسحق، يُجاع، يُهان، يُسلب كل شيء… ومع ذلك، في داخله شيء صغير يرفض أن ينطفئ، شيء يدفعه أن يقوم صباحًا… ويعيش يومًا آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *