رأيت مقابلة مع رجل تجاوز المئة سنة. سأله المحاور: كيف تشعر؟ قال المعمّر إنه آسف لأن الشباب حوله لم يعطوه فنتانيل، وهو مخدر قاتل، فيما يبدو أنه تلميح لأنه يريد أن يتخلص من الحياة لكن لا يعرف كيف.
هل تريد أن تعيش للمئة؟ سؤال صعب. البعض قد يرغب في حياة طويلة طالما كان بصحة، والبعض يفضل أن يرحل قبل ذلك. في عام 2005م انتحر الكاتب هنتر تومسون بطلقة بندقية، هو من كتابي المفضلين، ابتكر أسلوباً مميزاً في الكتابة يسمى Gonzo، كان عمره 67 سنة، رسالته الأخيرة قالت:
لا مزيد من الألعاب. لا مزيد من القنابل. لا مزيد من المشي. لا مزيد من المرح. لا مزيد من السباحة. سبعة وستون. هذا يعني سبعة عشر عامًا بعد الخمسين. سبعة عشر أكثر مما احتجت أو رغبت. مملّ. أنا دائم التذمر. لا متعة، لأيّ أحد. سبعة وستون. أنت تصبح جشعًا. تصرّف بما يليق بعمرك. استرخِ. لن يؤلم هذا.
قصيرة لكن فكرت فيها كثيرا.
عبارة “لا مزيد من الألعاب. لا مزيد من القنابل. لا مزيد من المشي. لا مزيد من المرح. لا مزيد من السباحة.” تعني أن المُتع المثيرة هذه ما عادت تمتعه، الحياة صارت روتينية، وهنتر يرى أن الملل أشد وطأة من الألم.
“سبعة وستون. هذا يعني سبعة عشر عامًا بعد الخمسين. سبعة عشر أكثر مما احتجت أو رغبت”، هنا لا يقول إن السابعة والستين سنٌّ كبير بحد ذاته، بل يقول إنه تجاوز العمر الذي كان يتخيّل نفسه يصل إليه، لم يكن يريد أكثر من الخمسين، أراد أن يكون شعلة تحترق وتطفأ في الشباب.
“مملّ. أنا دائم التذمر. لا متعة، لأيّ أحد”، يحكم على نفسه أنه ممل، متبرّم، مستنزف لمن حوله، وفي عُرفِه فإنه لو صار مملاً فهذا فشل أخلاقي كارثي!
“أنت تصبح جشعًا”، هنا يخاطب نفسه بحوار مباشر، لا يقصد جشع المال بل أنه ما يزال يشتهي الإثارة والمتعة رغم أن الجسد والعقل ما عادا قادرين أن يقدما هذا.
“تصرّف بما يليق بعمرك”، أي توقّف عن التظاهر أنك نفس الشخص الذي كنت.
“استرخِ، لن يؤلم هذا”، سطر مؤلم، لقد عزم على الانتحار، وهنا يُطمئن نفسه أن النهاية لن تؤلم، لكن المحزن أنه يقولها ببرودٍ إجرائي، وكأنه يكتب دليل استخدام جهاز منزلي، إنه صوت شخص قد حسم أمره.
أفهم ما شعر به هنتر تماما، راودتني نفس الأفكار منذ سنين، لدي عقيدة تربطني بمفاهيم أخلاقية تقيّدني أن أسلك مسلكه، لكني أفهم الشعور. فقط لأنك مسلم لا يعني أن الوساوس تنقطع والأفكار السوداء تنطفئ، بل ربما العكس صحيح، ربما أفكارك أسوأ بكثير من غيرك، حسب مبدأ أن الشيطان سيتسلط عليك أكثر.
إذا أخذت تبحث عن المعنى طيلة حياتك، ثم وجدته، ثم اكتشفت أنه لا يكفي، ماذا تفعل؟ هل هناك معنى بعد المعنى؟ هل يفترض أن تغيّر مشاعرك ومبادئك لتتكيف مع المعنى؟
لا أدري كيف أشرح علاقتي المعقدة مع الزمن كرسول للمعنى، الزمن غامض، غامض لأني لا أدري كنهه، أحيانا الساعة تمر كعشر دقائق، وأحيانا عشر دقائق تمر كخمس ساعات، كل ثانية من ثوانيها تتفجر بتيارات من السآمة وانعدام المعنى. لا شيء يسلط دائرة الضوء على معنى الحياة أكثر من الزمن. كل عدة ثوانٍ فارغة تجعلني أفكر: ما معنى الحياة؟ لماذا أنا هنا؟
قالوا إن الهدف من الحياة أن تستمتع بها، حتى الممل منها، لكن ماذا لو كان الهدف أن تكون شاهداً؟ ماذا لو أن ما عليك أن تفعله هو أن تقف كمتفرج على أحداثها وهي تمر أمامك، وأن مشاعرك ومتعتك وتجاربك لا تعني شيئا؟ أن لا تكون بطل القصة بل الراوي.
أو لعل بعض أجزاء الحياة وُجِدَت لتُحتَمَل لا ليُستمَع بها، أن تحاول أن تعيشها بإثارة هو أن تفهم مغزى الحياة خطأ، فبعضها يفترض عليك أن يضجرك أو يوجعك أو يضيعك، يجب أن تشعر بوطأته، بطول الثواني التي كأنها ساعات، بضياع المعنى، بضآلتك في كونٍ لانهائي، كقصة “كرونوس”، الزمن الذي يبتلع أبناءه. لا بأس أن تصنع لنفسك معنى بأن تتصور حياتك كفيلم، حينها إذا كلّمت نفسك فكأنك تكلم الجمهور الصامت الذي يشاهد شريط حياتك المشوّق، مثل ترومان في فيلم The Truman Show.
في تلك اللحظات، صعب أن أشعر أن هناك معنى لنفسي أو للحياة، أتأمل نفسي فأجدها ضئيلة ما بين أحداث العالم وضخامة آمالي وبين نظرتي الواقعية لما أستطيع تغييره وصنعه. لا أنفكُّ أضع مآسي العالم على كاهلي، أقدامي تئنُّ تحت وطأة هذه الجبال التي أحملها مثل “سيزيف”، عقلي يقول “سدد وقارب، لا أكثر، غيّر ما تستطيع تغييره، وما عدا ذلك فليس شأنك”، لكن نفسي تمسك بتلابيبي وتصرخ: “انظر لهذا العالم الظالم البائس! لم تؤدَّ ما عليك!”. لا أريد أن أصل للمئة وأنظر للخلف وأرى العجز عن تغيير العالم، إنه مشهد من رواية 1984، إنسان يُكسر داخلياً لا جسديا.
أحيانًا أشعر أن المشكلة ليست في العالم، بل في المسافة بين ما أراه وما أستطيع احتماله. كلما فهمت أكثر، صار العيش أصعب، وكلما حاولت أن أجد معنى نهائيًا، اكتشفت أن المعنى نفسه هش، مؤقت، قابل للانكسار. ربما لم نُخلق لنصل إلى إجابات كاملة، بل لنعيش داخل الأسئلة، نتقدم خطوة ونتراجع خطوتين، نحمل وعينا كعبء لا يمكن التخلص منه ولا يمكن تجاهله. الزمن لا يشرح نفسه، والحياة لا تعتذر عن غموضها، ونحن نمضي فيها كمن يعرف الطريق ويشك فيه في الوقت نفسه.
في النهاية، سأشاركك كابوسي، لعل خروج المارد من قمقمه يهوّن مصارعته كل يوم: هل نخاف من فقدان المعنى؟ أم نخاف من اللحظة التي نكتشف فيها أنه لم يكن موجودًا أصلًا؟
