كتابي "نغمات القهوة" متوفر للطلب، احصل على نسختك الآن!
كتابي نغمات القهوة
(رحلة شاملة في عالم القهوة، من تاريخها وفوائدها إلى ثقافاتها وأسرارها، لعشاق القهوة الباحثين عن المعرفة)

ملخص كتاب «عقيدة الصدمة»: (3) العدو يعرف من أنا

لا علاقة لهذا بذاك

في التسعينيات، وقف رجلٌ اسمه “سيرخيو توماسيّا” أمام محكمة في بوينس آيرس، بلباس مزارعٍ وحذاءٍ متسخ بالطين، ليروي كيف عُذّب هو وزوجته وأصدقاؤه لفترة خمس سنوات. لم يذكر اسم جنديٍّ واحد ضربه. ذكر بدلاً منه أسماء الشركات: فورد موتورز، مونسانتو، فيليب موريس. قال إن الجلادين لم يكونوا سوى أداة، وإن العدو الحقيقي بنيةٌ اقتصادية كاملة سُخِّرَ التعذيب لحمايتها. صفّق له الحضور طويلاً. ثم عاد العالم إلى عادته القديمة: فصْل الدم عن المال.

هذه العادة هي موضوع هذا المقال.

كيف نجا ميلتون فريدمان

بعد انقلاب بينوشيه بعامين، سأل كاتبٌ في النيويورك تايمز سؤالاً بسيطاً وخطيراً: إذا كانت نظرية شيكاغو الاقتصادية لا تُطبَّق في تشيلي إلا بثمن القمع، أفلا يتحمّل واضعوها جزءاً من المسؤولية؟ كان السؤال موجَّهاً بلا مواربة إلى ميلتون فريدمان، الأب الفكري لتلك النظرية، ومعلّم فريق “أبناء شيكاغو” الذي أدار اقتصاد الديكتاتورية.

لم يكن السؤال هامشياً. طلاب جامعة شيكاغو أنفسهم طالبوا بتحقيقٍ أكاديمي في تواطؤ أساتذتهم مع الانقلاب. أستاذ نمساوي فرّ من النازية في شبابه، جيرهارد تنتنر، قارن علناً بين تعاون فريدمان مع بينوشيه وتعاون تقنيّي ألمانيا مع الرايخ الثالث. ردّ فريدمان باتّهام معارضيه بـ”النازية”.

لكن الرجل نفسه لم يتوقف عن الفخر بطلابه. وصف “أبناء شيكاغو” بأنهم جمعوا الكفاءة الفكرية بشجاعة القناعة، وكأنه أبٌ يباهي بأبنائه. زميله أرنولد هاربرغر ذهب أبعد، فقال إنه يفخر بطلابه أكثر مما يفخر بأيّ شيء كتبه. وحين جاء الحديث عن ثمن ذلك الفخر بشرياً، لم يعد الرجلان يريان أيّ صلة بين الدرس والنتيجة. كتب فريدمان في مقالٍ له: رغم خلافي الحاد مع نظام تشيلي الاستبدادي، لا أرى في تقديم اقتصاديٍّ نصيحةً فنية لحكومةٍ ما شراً في ذاته. وزعم في مذكراته أن بينوشيه لم يستعن بأبنائه إلا بعد سنتين من الانقلاب، حين ضرب الركود العالم عام 1975. زعمٌ يخالف الوقائع: فريق شيكاغو كان يخطّط مع الجيش قبل الانقلاب بوقتٍ طويل، والتحول الاقتصادي بدأ يوم استولت العصابة العسكرية على الحكم، لا بعده بسنتين.

ثم بلغ الإنكار ذروته حين وصف فريدمان حكم بينوشيه بأكمله ـــ سبعة عشر عاماً من الديكتاتورية وعشرات الآلاف من ضحايا التعذيب ـــ بأنه لم يكن هدماً عنيفاً للديمقراطية بل نقيض ذلك. المهم في تجربة تشيلي، على حد قوله، أن الأسواق الحرة أثبتت قدرتها على صناعة مجتمعٍ حر.

بعد اغتيال أورلاندو ليتيلير، الوزير التشيلي المنفي الذي طالب بمحاسبة “المهندس الفكري” للانقلاب على أثمانه البشرية، بثلاثة أسابيع فقط، أعلنت الأكاديمية السويدية فوز فريدمان بجائزة نوبل للاقتصاد. استغلّ الرجل خطاب التسلّم ليقول إن الاقتصاد علمٌ صارم كالفيزياء والكيمياء، يقوم على فحصٍ محايد للوقائع. تجاهل أن الوقائع نفسها ـــ طوابير الخبز، تفشّي التيفوئيد، إغلاق المصانع ـــ كانت تدحض الفرضية التي نال عليها الجائزة، في البلد الوحيد الذي طُبِّقت فيه بلا رحمة.

بعد عام، فازت منظمة العفو الدولية بجائزة نوبل للسلام، عن عملها الشجاع في فضح انتهاكات تشيلي والأرجنتين. جائزتا نوبل مستقلتان، لجنتان مختلفتان، مدينتان مختلفتان. لكن من بعيد بدا الأمر وكأن أرفع هيئة تحكيمٍ في العالم أصدرت حكماً مزدوجاً: صدمة غرفة التعذيب تُدان، وصدمة العلاج الاقتصادي تُكرَّم. صدمتان، كما كتب ليتيلير بمرارة، “لا علاقة لإحداهما بالأخرى”.

عندما يصير العدل أعمى

لم تكن براءة فريدمان صدفة. كانت نتيجة انقسامٍ فكري أعمق: بين من رأوا الفظائع جرائم بحتة يجب توثيقها، ومن رأوها وسيلةً خدمت هدفاً اقتصادياً محدداً. الحركة الحقوقية العالمية، رغم كل ما أنجزته، اختارت الطريق الأول. وبذلك ـــ من دون قصد ـــ فتحت لأيديولوجيا شيكاغو باباً للخروج من مختبرها الدموي الأول بلا خدش.

جذر المشكلة يعود إلى ولادة حركة حقوق الإنسان الحديثة عام 1948، حين تحوّل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فوراً إلى سلاحٍ في الحرب الباردة، يستخدمه كل طرفٍ لاتهام الآخر بأنه هتلر جديد. سنة 1967، كشفت الصحافة أن اللجنة الدولية للحقوقيين، أبرز جهةٍ توثّق انتهاكات الاتحاد السوفييتي، كانت تموَّل سراً من وكالة الاستخبارات الأمريكية.

في هذا السياق المسموم، وضعت منظمة العفو الدولية مبدأها الحاسم: حياد تام. تمويلها من أعضائها فقط، بلا صلةٍ بأي حكومة أو تنظيم سياسي أو مصلحة اقتصادية. وحتى تثبت جديتها، أَلزَمَت كل فرعٍ محلي أن “يتبنّى” ثلاثة سجناء رأي في وقتٍ واحد: واحداً من العالم الشيوعي، وواحداً من الغرب، وواحداً من العالم الثالث. موقفها كان أن انتهاكات حقوق الإنسان شرٌّ مطلق، لا يحتاج فهم دوافعه بقدر ما يحتاج توثيقاً دقيقاً.

مبدأٌ نبيل، لكنه ترك سؤالاً معلّقاً بلا جواب: لماذا يحدث كل هذا؟

تقرير منظمة العفو عن الأرجنتين سنة 1976، وهو من أهم أسباب فوزها بنوبل، وثّق فظائع الحكم العسكري بدقة، لكنه لم يذكر ولو مرةً واحدة أن تلك العصابة كانت في خضم إعادة صياغة البلد بأكمله وفق مذهبٍ رأسمالي متطرف. لم يشر إلى تعميق الفقر، ولا إلى تراجع برامج توزيع الثروة، رغم أنهما جوهر مشروع الحكم العسكري. سجّل بدقةٍ قوانين انتهاك الحريات المدنية، وتجاهل تماماً القرارات الاقتصادية التي خفضت الأجور ورفعت الأسعار، فانتهكت بذلك حق الناس في الغذاء والمأوى المكفول في الميثاق نفسه.

الأكثر إيلاماً أن التقرير قدّم الصراع وكأنه بين الجيش المحلي والمتطرفين اليساريين فقط، بلا ذكرٍ لواشنطن ولا للاستخبارات الأمريكية ولا لملّاك الأراضي ولا للشركات متعددة الجنسيات. من دون فهم المخطط الأكبر لفرض رأسمالية “نقية” على أمريكا اللاتينية، بدت أعمال الوحشية الموثّقة في التقرير كحوادث عبثية طليقة، تستحق إدانة كل ذي ضمير، ومستحيلة الفهم في آنٍ واحد.

لماذا اختار الناس الصمت السياسي

داخل البلدان المنكوبة، كان أول من ينبّه للرعب هم أهل الضحايا وأصدقاؤهم، لكن ما يمكن أن يقولوه محدود بصرامة: من يتحدث عن الخلفية السياسية والاقتصادية للاختفاءات يخاطر بأن يُختفى هو نفسه.

أشهر ناشطات تلك المرحلة كنّ أمهات ساحة مايو في الأرجنتين. في تظاهراتهن الأسبوعية أمام مقر الحكومة، لم يجرؤن على حمل لافتات احتجاج. حملن صور أبنائهن المفقودين، بعبارةٍ واحدة: “أين هم؟” ارتدين أوشحة بيضاء مطرَّزة بأسماء أبنائهن، وطُفن صامتات بدل الهتاف. كثيراتٌ منهن كنّ صاحبات قناعات سياسية قوية، لكنهن حرصن أن يظهرن للنظام بمظهر الأمهات المفجوعات فقط، لا أكثر.

الحذر لم يحمِهن دائماً. في ديسمبر 1977، تسلّل أحد أشد الجلادين إلى صفوف الأمهات متنكراً بزيّ قريبةٍ مكلومة. داهم الجيش المجموعة، وأخفى اثنتي عشرة أماً إلى الأبد، بينهن قائدة الحركة نفسها، مع راهبتين فرنسيتين.

في تشيلي، كانت أكبر منظمة حقوقية هي لجنة السلام، التي أسسها معارضون سياسيون ومحامون ورجال دين. كانوا ناشطين يساريين قدامى، يعرفون أن مقاومة التعذيب والإفراج عن السجناء ليست إلا جبهةً واحدة في معركةٍ أوسع على من يملك ثروة تشيلي. لكن، تجنّباً لأن يصبحوا ضحايا النظام التالية، تخلّوا عن خطابهم اليساري القديم عن الطبقات، وتعلّموا لغة “حقوق الإنسان العالمية” الجديدة. لغةٌ مُنظَّفة من ذكر الغني والفقير، والقوي والضعيف، تكتفي بالتأكيد أن لكل إنسانٍ حق المحاكمة العادلة وعدم التعذيب، من دون أن تسأل لماذا يحدث هذا أصلاً.

بالنسبة لمن عاشوا تحت الديكتاتورية، صارت هذه اللغة رمزاً: كما أخفى الموسيقيون رسائلهم السياسية في استعاراتٍ ملتوية، أخفى الحقوقيون يساريتهم في مصطلحاتٍ قانونية.

المال الذي اشترى الصمت

لم يكن حياد منظمة العفو الدولية وحده وراء هذا الجدار الفكري. جهاتٌ أخرى كثيرة كان دافعها المال، وأبرزها مؤسسة فورد، أكبر جهة خيرية في العالم آنذاك. أنفقت في السبعينيات والثمانينيات ثلاثين مليون دولار على العمل الحقوقي في أمريكا اللاتينية، ودعمت به منظماتٍ محلية مثل لجنة السلام التشيلية، ومنظماتٍ أمريكية وليدة مثل “أمريكاز واتش”.

قبل الانقلابات، كان دور فورد الرئيسي تمويل تدريب أكاديميين، غالباً في الاقتصاد والزراعة، بالتنسيق مع وزارة الخارجية الأمريكية. عبّر نائب رئيس القسم الدولي في فورد عن فلسفة المؤسسة بجملة واحدة: لا يمكن لبلدٍ أن يتحدّث من دون نخبةٍ حديثة. أغلب منح فورد الأكاديمية لم تحمل انحيازاً يمينياً واضحاً، فقد أرسلت طلاباً لاتينيين إلى جامعاتٍ أمريكية متنوعة، ومولت أقساماً جامعية في مؤسساتٍ ذات سمعة يسارية أيضاً.

لكن كانت هناك استثناءات حاسمة. فورد كانت الممول الرئيسي لبرنامج التدريب الاقتصادي في جامعة شيكاغو نفسها، الذي خرّج مئات “أبناء شيكاغو” اللاتينيين. ومولت أيضاً برنامجاً موازياً في الجامعة الكاثوليكية بسانتياغو، صُمِّم لاستقطاب طلاب اقتصاد من دول الجوار للدراسة على يد أبناء شيكاغو التشيليين. بهذا صارت مؤسسة فورد، بقصدٍ أو من دونه، أكبر ممول لنشر أيديولوجيا شيكاغو في أمريكا اللاتينية، أهم حتى من الحكومة الأمريكية نفسها.

حين وصل “أبناء شيكاغو” إلى السلطة مع بينوشيه وسط دويّ الرصاص، لم تبدُ الصورة جيدة لمؤسسة فورد. كان هذا المرة الثانية خلال سنواتٍ قليلة يختار فيها خرّيجوها طريقاً عنيفاً إلى الحكم، بعد صعود “عصابة بيركلي” في إندونيسيا عقب انقلاب سوهارتو الدموي. بنت فورد قسم الاقتصاد في جامعة إندونيسيا من الصفر، لكن حين استولى سوهارتو على السلطة، جُنِّد كل خريجي البرنامج تقريباً في الحكومة، ولم يبقَ من يعلّم الطلاب الجدد.

حين يُنقذك من ورَّطك

واجهت مؤسسة فورد معضلتها بالطريقة نفسها التي تواجه بها أي شركةٍ أزمة سمعة: استباقاً. تحوّلت في منتصف السبعينيات من مموّلٍ لـ”الخبرة الفنية” إلى أكبر ممول للنشاط الحقوقي في العالم. بعد أن سحقت أنظمةٌ ساعدت فورد في تشكيلها اليسار في تشيلي وإندونيسيا، صارت فورد نفسها من يموّل جيلاً جديداً من المحامين المكافحين لتحرير مئات الآلاف من المعتقلين السياسيين في تلك الأنظمة عينها.

نظراً لتاريخها المُلتَبِس، لم يكن مستغرباً أن تعرّف فورد مجال حقوق الإنسان بأضيق تعريفٍ ممكن، مقتصراً على “سيادة القانون” و”الشفافية” و”الحكم الرشيد”. قال أحد مسؤوليها في تشيلي بصراحة إن سؤال المؤسسة كان: كيف نفعل هذا من دون أن ندخل في السياسة؟ لم يكن السبب مجرد محافظة مؤسسية، بل كان أيضاً أن أي تحقيقٍ جاد في أهداف القمع في تشيلي كان سيقود مباشرة إلى فورد نفسها، ودورها المركزي في تلقين حكّام البلد الجدد مذهباً اقتصادياً متشدداً.

هناك أيضاً ارتباطها الحتمي بشركة فورد موتورز. تأسست المؤسسة عام 1936 بأسهمٍ من ثلاثة تنفيذيين في الشركة، بينهم هنري وإدزل فورد. لم يكتمل انفصال المؤسسة عن ثروة الشركة إلا سنة 1974، بعد انقلاب تشيلي بعام، وبعد انقلاب إندونيسيا بسنوات، وبقي أفراد من عائلة فورد في مجلس إدارتها حتى 1976.

المفارقة كانت صارخة: الإرث الخيري لشركةٍ اتُّهِمت بامتلاك مرفق تعذيبٍ سري داخل أراضيها، وبإخفاء عمالها، صار الفرصة الأفضل، والوحيدة أحياناً، لوقف أسوأ الانتهاكات. مولت فورد ناشطين أنقذوا أرواحاً حقيقية. وساهمت في إقناع الكونغرس الأمريكي بقطع الدعم العسكري عن الأرجنتين وتشيلي، ما أرغم الأنظمة على تخفيف أساليبها الوحشية. لكن إنقاذها جاء بثمن: نزاهة الحركة الحقوقية نفسها. قرارها بالانخراط في حقوق الإنسان بلا “دخول في السياسة” جعل السؤال الحقيقي مستحيلاً: لماذا يحدث كل هذا العنف، ولمصلحة من؟

التقرير الوحيد الذي سأل: لماذا؟

من كل تقارير الحقب تلك، تقريرٌ واحد فقط عامل القمع والاقتصاد كمشروعٍ واحد متكامل: “البرازيل: لن يتكرر أبداً”. كان التقرير الوحيد المنشور بلا صلةٍ لا بالدولة ولا بأي مؤسسة أجنبية، بُني على سجلات محاكم عسكرية، صوّرها محامون ورجال دين بشجاعةٍ استثنائية على مدى سنوات، سرّاً، تحت حكمٍ عسكري. بعد تفصيل أبشع الجرائم، طرح مؤلفوه السؤال الذي تجنّبه الجميع: لماذا؟ وأجابوا بلا التفاف: بما أن السياسة الاقتصادية كانت شديدة الكراهية عند غالبية السكان، لم يكن أمام النظام سوى فرضها بالقوة.

النموذج الاقتصادي الذي ترسّخ خلال تلك الديكتاتوريات ثبت أنه أعتى من الجنرالات الذين فرضوه. طال بقاؤه بعد عودة الانتخابات إلى أمريكا اللاتينية، وظل منطق مدرسة شيكاغو راسخاً.

قالت الصحفية الأرجنتينية كلوديا أكونيا مرةً إن الصعب في السبعينيات والثمانينيات لم يكن رؤية العنف، بل استيعاب أنه لم يكن الهدف، بل مجرد وسيلة. كانت انتهاكات الجيش صادمة لدرجة أن وقفها صار الأولوية القصوى، فبينما استطاع الناس تفكيك مراكز التعذيب السرية، بقي ما لم يستطيعوا هدمه: البرنامج الاقتصادي الذي بدأه الجيش وما يزال قائماً حتى اليوم.

ذاكرة الدم

كثيراً ما تُروى تلك الحقبة بوصفها جريمة قتلٍ جماعي فقط، بينما كانت في جوهرها عملية سطوٍ مسلح واسعة النطاق. كأن الدم غطّى تكلفة المشروع الاقتصادي، وأخفى ثمنه الحقيقي.

الفصل بين الجريمة وأسبابها ليس ظاهرة تاريخية محصورة في أمريكا اللاتينية. يظهر كلما استخدمت دولةٌ التعذيب أداة سياسة: في الفلبين تحت ماركوس، وإيران تحت الشاه، والعراق تحت صدام، وفي الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي. القائمة تطول. انتشار التعذيب مؤشّرٌ يكاد يكون قاطعاً على أن سلطةً ما تحاول فرض نظامٍ يرفضه عددٌ كبير ممن تحكمهم، سياسياً كان أو دينياً أو اقتصادياً.

في الجزائر، سئم كثيرون من الفرنسيين الذين استنكروا أخبار تعذيب المقاتلين الجزائريين وهم لا يفعلون شيئاً لإنهاء الاحتلال نفسه، سبب ذلك التعذيب أصلاً. كتبت المحامية جيزيل حليمي عن هذا الملل عام 1962، فوصفته بالطقس المكرور، احتجاجات لا تُوقف قمعاً ولا تُقيّد سلطة من يمارسه. أما سيمون دي بوفوار، فقالت إن أمام الناس خيارين لا ثالث لهما: قبول الاحتلال بكل وسائل فرضه، أو رفض الهدف الأكبر الذي تخدمه تلك الوسائل، لا التفاصيل وحدها.

هذا الخيار نفسه، بلا رحمة، كان مطروحاً في الجنوب الأمريكي اللاتيني في السبعينيات: لا سبيل رحيماً لسلب ملايين البشر ما يحتاجونه للعيش بكرامة، وهو بالضبط ما أراده أبناء شيكاغو. السرقة، سواء سرقة أرضٍ أو سرقة نمط حياة، تحتاج قوةً أو تهديداً موثوقاً بها؛ ولهذا يحمل اللصوص السلاح، ويستخدمونه.

يبقى السؤال الذي عجز كثيرون عن طرحه في وقته: هل النيوليبرالية عنيفة بطبيعتها؟ هل في أهدافها ما يستدعي دورة القمع الدموي، تعقبها عمليات تنظيف حقوقية؟

ما بقي بعد الرصاص

توماسيّا، المزارع الذي وقف أمام محكمته بحذائه المتّسخ، لم يسمِّ الجندي الذي عذّبه. سمّى البنية. قال إن الخط ممتدٌّ منذ من سلبوا الهنود أرضهم، وحتى اليوم، تحت الهياكل الإقطاعية نفسها. أنهى شهادته بجملةٍ ما زالت تصلح شاهداً على كل ما سبق: “أعرف من هو العدو، والعدو يعرف من أنا”.

تجربة أبناء شيكاغو الأولى كان يجب أن تكون تحذيراً للبشرية: أفكارهم خطرة. لكن فشل محاسبة الأيديولوجيا على جرائمها في مختبرها الأول منحها حصانة، فتحرّرت لتجوب العالم بحثاً عن فتحها التالي. ما زلنا نعيش عصر مجازر شركاتية، تعاني فيه بلدانٌ عنفاً عسكرياً هائلاً، بينما تحاول محاولاتٌ منظّمة إعادة تشكيلها اقتصادات “حرة” نموذجية؛ الاختفاء والتعذيب عادا بقوة، وما زالت أهداف تلك الوحشية، والحاجة إليها، تُعامَل بوصفها لا علاقة لها بذلك، البتة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *