سياج تشيسترتون: لا تهدم ما لا تفهم سببه!

عبدالله تسلّم إدارة شركة نقل صغيرة، فرأى السائقين يقضون عشر دقائق قبل كل رحلة في ملء ورقة فحص للشاحنة، بدت له الورقة عادة بيروقراطية قديمة فألغاها، ووفّر على الشركة ساعات كل أسبوع، بعد ثلاثة أشهر انفجر إطار شاحنة على طريق سريع، وعرف عبدالله أن الورقة كانت تكشف تآكل الإطارات مبكراً، وأن مديراً سابقاً أضافها بعد حادث مشابه لم يسمع به أحد من الموظفين الجدد.

أراد عبدالله الإصلاح فهدم ما كان يحميه.

هذه الفكرة صاغها الكاتب البريطاني ج ك تشيسترتون في كتابه “الشيء” عام 1929 بصورة بسيطة: سياج يسدّ طريقاً في الريف، ومصلح يرى أنه بلا فائدة ويستحق الإزالة، فيجيبه الحكيم: اذهب وابحث عن سبب بنائه، وإذا عدتَ وشرحتَه لي ناقشنا هدمه.

سبب قوة الفكرة أن كل قاعدة قديمة تحفظ ذكرى مشكلة نسيها الناس، من وضع القاعدة عاش الحادثة ورأى الضرر، ومن ورثها رأى القيد دون قصته، وحين لا نرى سبباً لشيء نظن أنه بلا سبب، والصحيح أننا لم نكن حاضرين.

يزيد الأمر صعوبة أن تكلفة القاعدة ظاهرة وفائدتها مخفية، الورقة تأخذ عشر دقائق يراها الجميع، وفائدتها حوادث لم تقع، ولا أحد يحتفل بحادث لم يقع، فيبدو الهدم مكسباً مضموناً حتى يظهر الثمن.

التاريخ يعرض أمثلة مكلفة، في عام 1958 أطلقت الصين حملة لإبادة العصافير لأنها تأكل الحبوب، فقتل الناس منها أعداداً هائلة، ثم تكاثرت الحشرات والجراد التي كانت العصافير تأكلها، وكان ذلك من العوامل التي فاقمت المجاعة الكبرى التي أعقبت الحملة وفتكت بملايين البشر.

الفكرة تطلب الفهم قبل القرار، وبعده تجد أمامك طريقين: قد تكون المشكلة التي بُني لها السياج زالت فتهدمه مرتاح الضمير، وقد يكون ما يزال يؤدي عمله فتتركه، وهذا ما يجعلها نافعة لمن يميل إلى حفظ القديم ولمن يميل إلى تغييره، فكلاهما يحتاج إلى معرفة ما أمامه.

كيف تفهم سبب سياج لم تبنه؟ اسأل من عاش المرحلة، فأقدم الموظفين وأكبر أفراد العائلة يحفظون قصصاً لا تُكتب في أي ملف، ابحث عن المشكلة التي سبقت القاعدة، وعن الجهة التي تستفيد منها اليوم، وإن تعذّر الوصول إلى السبب فجرّب إيقافها مؤقتاً، فالتجربة المحدودة القابلة للرجوع أرخص من هدم لا رجعة فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *