كتاب “إذا استمرت الحرب” لهيرمان هيسه

“لا أحد يمكنه بناء الجسر الذي يجب عليك، وحدك، أن تعبره فوق نهر الحياة”، كتب نيتشه الشاب، متأملاً في معنى أن يجد الإنسان نفسه. رغم تقلباته بين اليأس العدمي والحماس المتقد على حافة الجنون، ألهم نيتشه بعضًا من أكثر العقول ثباتًا، ومن بينهم الأديب الألماني الكبير هيرمان هيسه، الذي استلهم من فلسفة نيتشه أفكارًا إنسانية سامية، وأضاف إليها بصمته العميقة.

من بين أفكار هيسه الأكثر إلهامًا تأتي رسالته إلى شاب ألماني، التي كتبها عام 1919 لشاب يائس، ونُشرت لاحقًا في مجموعته “إذا استمرت الحرب…” عام 1946، نفس العام الذي حصل فيه على جائزة نوبل.

قبل أن يؤكد إي. إي. كامينغز أن “أن تكون نفسك في عالم يحاول أن يجعلك كغيرك هو أصعب المعارك”، كتب هيسه:

“يجب أن تتخلص من عادة أن تكون شخصًا آخر، أو أن تكون لا شيء، من تقليد أصوات الآخرين أو تَوهُّم أن وجوههم هي وجهك.”

ثم يوضح معنى القدر:

“القدر الحقيقي لا يأتي من الخارج ليسحقك، بل ينبع من داخلك ليقويك… الرجل الذي يدرك قدره لا يحاول تغييره، فمحاولة تغيير القدر لهو صراع طفولي يؤدي إلى القتل والدمار. لكن كل ما هو حقيقي وجميل في الحياة ينبع من القدر عندما يصبح هوية الذات.”

يدعو هيسه إلى احترام الألم والفضول نحوه، مشيرًا إلى أن المعاناة قد تكون صوت القدر ذاته:

“قد يكون ألمك المرير هو نداء القدر، وقد يصبح صوته عذبًا بمجرد أن تفهمه.”

ويضيف أن الحياة مزيج من الفعل والمعاناة، فحتى الولادة والنمو والموت كلها أشكال من المعاناة، لكن القدرة على “المعاناة الجيدة” هي جوهر الحياة نفسها.

ويشدد هيسه على أن العزلة هي الطريق لاكتشاف الذات، رغم أنها مخيفة للبشر:

“العزلة هي الطريق الذي يحاول القدر أن يقود الإنسان عبره ليصل إلى ذاته. لكنها أيضًا الطريق الذي يخشاه البشر أكثر من غيره.”

ويشير إلى أن أغلب الناس لا يعرفون العزلة الحقيقية، بل يبحثون عن الدفء الجماعي، ويخافون من العزلة التي تجعلهم يواجهون حقيقتهم.

“الرجل الذي يريد أن يختبر العزلة ويواجه قدره يجب أن يكون غير مكترث لاحتمالية السقوط. فمن الأسهل السير مع الجماعة حتى وسط البؤس، ومن الأسهل الانشغال بالمهام اليومية التي يفرضها المجتمع.”

ويختم بتوجيه رسالة للشباب:

“لقد خُلقتم لتكونوا أنفسكم، لتضيفوا نغمتكم الخاصة إلى هذا العالم. في كل واحد منكم هناك كيان خفي، لا يزال نائمًا في أعماق الطفولة، أحيُوه! فيكم جميعًا هناك نداء نحو المستقبل، نحو شيء جديد وأسمى، دعوه ينضج ويتجلى!”

بعد قرن من كتابته، لا تزال هذه الرسالة مليئة بالحكمة العميقة، كما أن كتاب “إذا استمرت الحرب…” يستحق القراءة والتأمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *