كتابي "نغمات القهوة" متوفر للطلب، احصل على نسختك الآن!
كتابي نغمات القهوة
(رحلة شاملة في عالم القهوة، من تاريخها وفوائدها إلى ثقافاتها وأسرارها، لعشاق القهوة الباحثين عن المعرفة)

ملخص كتاب «عقيدة الصدمة»: (5) الانقلاب بربطة عنق

قال فيليمون إسكوبار، عامل مناجم ونقابي بوليفي، في مكالمة هاتفية بعد عقود من تلك الأيام: “انتزعوا قادة النقابات من الشارع، وأخذوهم إلى الغابة ليأكلهم الحشرات حيّين. وحين أُطلق سراحهم، كانت الخطة الاقتصادية الجديدة قد استقرت”. ثم أضاف جملةً تلخّص فصلاً كاملاً من تاريخ بلاده: “الحكومة لم تأخذ الناس إلى الغابة لتعذيبهم أو قتلهم، بل لتمضي في خطتها الاقتصادية”.

لا جندي هنا، ولا دبابة تقتحم بيتاً، ولا زنزانة سرية. مروحيةٌ عسكرية، ونقابيون معصوبو الأعين، وأدغال الأمازون. هذا العنف الهادئ، المُهذَّب في ظاهره، هو موضوع هذا المقال.

مريضٌ لا يملك خياراً

سنة 1985، كانت بوليفيا واحدة من دول موجة الديمقراطية التي اجتاحت العالم النامي. بعد ثمانية عشر عاماً من واحدٍ وعشرين قضتها تحت أشكالٍ متعددة من الحكم العسكري، صار البوليفيون أخيراً أحراراً في اختيار رئيسهم عبر صندوق الانتخاب.

لكن الحرية جاءت وسط حريق. عام 1984، موّلت إدارة ريغان حملةً عسكرية غير مسبوقة على مزارعي الكوكا البوليفيين، حوّلت جزءاً واسعاً من البلاد إلى منطقة عسكرية. لم يخنق الحصار تجارة الكوكا فقط، بل قطع مصدراً كان يوفّر نصف عائدات صادرات البلاد تقريباً، فانهار الاقتصاد. أسبوع واحد بعد احتلال الجيش لمنطقة تشاباري، اضطرت الحكومة لخفض قيمة عملتها الرسمية إلى أقل من النصف. خلال أشهر، تضاعف التضخم عشر مرات، وهرب آلاف البوليفيين إلى الأرجنتين والبرازيل وإسبانيا وأمريكا بحثاً عن عمل.

وسط هذا الاضطراب، ومعدل تضخمٍ وصل إلى 14 ألف بالمئة، دخلت بوليفيا انتخاباتها التاريخية. تنافس فيها وجهان مألوفان: الديكتاتور السابق هوغو بانزر، والرئيس المنتخب سابقاً فيكتور باز إستنسورو. كانت النتيجة متقاربة جداً، فآلت التسوية النهائية إلى الكونغرس. لكن فريق بانزر، واثقاً من فوزه قبل إعلان النتائج، استعان باقتصاديٍّ ثلاثيني قليل الشهرة اسمه جيفري ساكس، ليضع خطةً لمكافحة التضخم.

طبيبٌ آمن بحقنة واحدة

كان ساكس نجم قسم الاقتصاد الصاعد في هارفارد، يجمع الجوائز الأكاديمية، ويستعد ليصبح أصغر أساتذته الحاصلين على منصبٍ دائم. لم تكن له تجربة سابقة في اقتصاديات التنمية، لكنه، بحسب اعترافه هو، ظن أنه “يعرف كل ما يجب معرفته” عن التضخم.

تأثّر ساكس بكتابات كينز عن العلاقة بين التضخم الجامح وصعود النازية في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، حين بلغ معدل التضخم 3.25 مليون بالمئة عام 1923، ثم تبعه الكساد الكبير. كان يحب أن يستشهد بتحذير كينز أن “لا وسيلة أخفى ولا أضمن لقلب أسس المجتمع من إفساد العملة”. وشارك كينز قناعته أن على الاقتصاديين كبح تلك القوى المدمّرة مهما كلّف الثمن. لكنه، رغم إعجابه بكينز، كان أيضاً ابن أمريكا ريغان، حيث ذاعت أفكار فريدمان وصارت عقيدةً لا تُناقَش في أقسام الاقتصاد بأرقى الجامعات، بما فيها هارفارد. أعجب ساكس بـ”إيمان فريدمان بالأسواق”، ووصفه بأنه أكثر دقة من الحجج “الغامضة” التي يسمعها كثيراً في العالم النامي.

المفارقة أن تلك الحجج “الغامضة” كانت هي نفسها التي سُحِقَت بالعنف في أمريكا اللاتينية قبل عقدٍ واحد: أن كسر بنية الاستعمار الاقتصادي يحتاج إصلاحاً زراعياً، وحماية تجارية، وتأميم الموارد الطبيعية. لم يكن لدى ساكس وقتٌ لتغييرٍ بنيوي كهذا. لم يكن يعرف شيئاً تقريباً عن تاريخ بوليفيا الطويل من الاستغلال الاستعماري، ولا عن قمع سكانها الأصليين، ولا عن مكاسب ثورتها المتعِبة عام 1952. مع ذلك، اقتنع أن بلداً بأكمله يعاني، إلى جانب التضخم، من شيءٍ سمّاه “الرومانسية الاشتراكية”، الوهم نفسه الذي حاول جيلٌ سابق من الاقتصاديين المدرَّبين أمريكياً استئصاله من الجنوب الأمريكي اللاتيني.

النقطة الوحيدة التي فرّقته عن مدرسة شيكاغو أنه رأى الأسواق الحرة بحاجةٍ إلى إعفاء ديون ومساعداتٍ سخية، لا اليد الخفية وحدها. سيقوده هذا الخلاف لاحقاً، بعد سنوات، إلى الانفصال عن زملائه الأكثر تطرفاً في السوق، والتفرغ للمساعدات. لكن ذلك الانشقاق كان بعيداً بعد. في بوليفيا، أنتج مزيجه الفكري تناقضاتٍ غريبة. حين نزل من الطائرة في لاباز، متنفّساً هواء الأنديز الرقيق لأول مرة، تخيّل نفسه كينز آخر، جاء لينقذ شعباً بوليفياً من “فوضى واضطراب” التضخم الجامح. لكن جوهر الفكر الكينزي يقول إن على الدول في الركود الشديد أن تُنفِق لتحريك الاقتصاد، لا أن تقتصد. اختار ساكس النقيض تماماً: تقشفٌ حكومي، وزيادة أسعار، الوصفة نفسها التي وصفتها مجلة بزنس ويك بأنها “كساد مُتَعَمَّد” حين طُبّقت في تشيلي.

كانت نصيحة ساكس لبانزر مباشرة: علاجٌ صادم مفاجئ وحده يشفي بوليفيا. اقترح رفع سعر النفط عشرة أضعاف، وتحرير أسعارٍ أخرى، وخفض إنفاق. في خطابٍ لغرفة التجارة البوليفية الأمريكية، كرّر توقّعه أن التضخم يمكن أن يُهزَم في يومٍ واحد، وقال إن الحضور “ذُهِلوا، وابتهجوا لهذا الاحتمال”. آمن ساكس، كفريدمان تماماً، أن الاقتصاد يمكن أن يُعاد توجيهه فجأةً “من طريقٍ مسدود، طريق اشتراكية مسدود أو فسادٍ جماعي مسدود أو تخطيطٍ مركزي مسدود، إلى اقتصاد سوقٍ طبيعي”.

صفقةٌ في غرفة جلوس

بينما كان ساكس يطلق تلك الوعود، ظلّت نتيجة الانتخابات معلّقة. تصرّف بانزر وكأنه الفائز، لكن باز إستنسورو لم يستسلم. لم يقدّم باز خلال حملته تفاصيل واضحة عن خطته لمواجهة التضخم، لكنه كان قد شغل رئاسة بوليفيا المنتخبة ثلاث مرات، آخرها عام 1964 قبل أن يطيح به انقلاب. كان وجه التحوّل التنموي في بوليفيا، أمّم مناجم القصدير الكبرى، وبدأ توزيع الأرض على الفلاحين الأصليين، ودافع عن حق كل بوليفي في التصويت. لم يكن اشتراكياً، لكنه أيضاً لم يكن نيوليبرالياً من مدرسة شيكاغو، أو هكذا ظنّ البوليفيون.

بما أن الكونغرس هو من يحسم الرئاسة، تحوّلت تلك المرحلة إلى مساوماتٍ خلف الكواليس بين الأحزاب. برز فيها سيناتورٌ حديث الانتخاب: غونزالو سانشيز دي لوثادا، المعروف في بوليفيا بـ”غوني”. عاش الرجل في أمريكا سنواتٍ طويلة حتى صار يتكلم الإسبانية بلكنةٍ أمريكية ثقيلة، وعاد ليصبح أحد أثرى رجال أعمال بلاده. كان يملك كومسور، أضخم منجمٍ خاص في البلاد وقتها، ويتجه ليصبح ثاني أضخمها. درس غوني في جامعة شيكاغو، ورغم أنه لم يكن اقتصادياً، تأثّر بعمق بأفكار فريدمان، وأدرك ما تحمله من إمكانات ربحية هائلة في قطاع التعدين، الذي ظل خاضعاً لسيطرة الدولة في بوليفيا. حين عرض ساكس خطته الصادمة على فريق بانزر، أُعجب غوني بها.

تفاصيل تلك المساومات لم تُكشف يوماً، لكن نتيجتها واضحة. في السادس من أغسطس 1985، أدّى باز اليمين رئيساً لبوليفيا. بعد أربعة أيام فقط، عيّن غوني رئيساً لفريقٍ اقتصادي طارئ سري، ثنائي الحزبية، مهمته إعادة هيكلة الاقتصاد جذرياً. انطلق الفريق من علاج ساكس الصادم، لكنه ذهب أبعد بكثير مما اقترحه، إذ اقترح تفكيك النموذج الاقتصادي المرتكز على الدولة الذي بناه باز نفسه قبل عقود.

لم يكن حزب باز يعلم شيئاً عن هذه الصفقة السرية. باستثناء وزيري المالية والتخطيط، لم يُخبر باز حتى حكومته المنتخبة حديثاً بوجود هذا الفريق الطارئ. لسبعة عشر يوماً متتالية، اجتمع الفريق في غرفة جلوس منزل غوني الفاخر. قال وزير التخطيط غييرمو بدريغال، في مقابلةٍ لم يكشف فيها هذه التفاصيل إلا بعد عشرين عاماً: “حبسنا أنفسنا هناك بطريقةٍ حذرة، شبه سرية”. ما كان الفريق يخطط له كان إعادة هيكلة اقتصادٍ وطني بحجمٍ لم يُجرَّب من قبل في ديمقراطية.

وثيقةٌ لا تُناقَش

بعد سبعة عشر يوماً، أنجز الفريق مسودة برنامجٍ نموذجي للعلاج الصادم. دعا إلى إلغاء دعم الغذاء، وإلغاء أغلب ضوابط الأسعار، ورفع سعر النفط 300 بالمئة. ورغم أن الحياة كانت على وشك أن تصبح أغلى بكثير في بلدٍ فقير أصلاً، جمّد البرنامج أجور الحكومة عند مستوياتها المتدنية أصلاً، لعامٍ كامل. دعا أيضاً إلى تقليصاتٍ عميقة في الإنفاق الحكومي، وفتح حدود بوليفيا أمام الاستيراد بلا قيود، وتصغير الشركات الحكومية، تمهيداً لخصخصتها. فاتت بوليفيا ثورة شيكاغو النيوليبرالية التي فُرِضَت على باقي الجنوب الأمريكي اللاتيني في السبعينيات، وها هي تعوّض الوقت الضائع دفعةً واحدة.

حين أنهى الفريق صياغة القوانين الجديدة، لم يكونوا مستعدين بعد لإطلاعها حتى على ممثلي الشعب المنتخبين، ناهيك عن الناخبين أنفسهم، الذين لم يُصوّتوا يوماً لخطةٍ كهذه. بقيت مهمةٌ واحدة: توجّه أعضاء الفريق إلى مكتب صندوق النقد الدولي في بوليفيا، وأخبروا ممثله بما ينوون فعله. جاء رده مشجّعاً ومقلقاً في آنٍ واحد: “هذا ما يحلم به كل موظفٍ في الصندوق. لكن إن فشل، فلحسن حظي أملك حصانة دبلوماسية، وأستطيع أن ألحق بطائرة وأهرب”.

لم يملك البوليفيون الذين اقترحوا الخطة مخرجاً كهذا، وأدركوا كيف سيكون رد فعل الشارع. تنبّأ فرناندو برادو، أصغر أعضاء الفريق سناً: “سيقتلوننا”. أما بدريغال، الكاتب الرئيسي للخطة، فحاول شد عزيمة الفريق بتشبيهٍ غريب، قارنهم بطيار القنبلة الذرية على هيروشيما: “علينا أن نكون مثله، لم يكن يعرف ما يفعل، لكن حين رأى الدخان قال: عفواً، آسف! وهذا بالضبط ما يجب أن نفعله، نُطلِق الإجراءات ثم: عفواً، آسف!”

فكرة أن التغيير السياسي يجب أن يشبه هجوماً عسكرياً مفاجئاً موضوعٌ متكرر عند دعاة العلاج الصادم الاقتصادي. عام 1996، نشرت المؤسسة العسكرية الأمريكية عقيدةً بعنوان “الصدمة والرعب: تحقيق الهيمنة السريعة”، صارت لاحقاً أساس غزو العراق 2003. يقول واضعوها إن على القوة الغازية أن “تسيطر على البيئة، وتشلّ أو تُثقِل إدراك الخصم للأحداث حتى يعجز عن المقاومة”. الصدمة الاقتصادية تعمل بمنطقٍ مشابه: يستطيع الناس التكيّف مع التغيير التدريجي، برنامج صحي يُخفَّض هنا، اتفاقية تجارة هناك، لكن حين تأتي عشرات التغييرات من كل اتجاه دفعةً واحدة، يستسلم الشعور بالجدوى، ويخمل الناس.

سعياً لهذا الخمول، فرض المخططون البوليفيون أن تُعتمَد كل إجراءاتهم الجذرية في وقتٍ واحد، خلال أول مئة يومٍ من الحكومة الجديدة. بدل تقديم كل قسمٍ من الخطة كقانونٍ مستقل، دمج فريق باز الثورة كاملة في مرسومٍ تنفيذي واحد، حمل الرقم 21060، وضمّ 220 قانوناً منفصلاً، وشمل كل جانبٍ من الحياة الاقتصادية في البلاد. صار مساوياً في حجمه وطموحه لـ”الطوبة”، المخطط الضخم الذي كتبه أبناء شيكاغو تحضيراً لانقلاب بينوشيه. برنامجٌ كامل يُقبَل أو يُرفَض كتلةً واحدة، لا يقبل التعديل، المعادل الاقتصادي لعقيدة “الصدمة والرعب”.

حين اكتملت الوثيقة، صنع الفريق خمس نسخ فقط: واحدة لباز، وواحدة لغوني، وواحدة لوزير الخزانة. أما وجهة النسختين الأخريين، فكشفت مدى يقين باز وفريقه أن كثيراً من البوليفيين سيرَون الخطة عملاً حربياً: واحدة لقائد الجيش، وأخرى لرئيس الشرطة. حكومة باز نفسها ظلّت في الظلام، لا تزال تظن أنها تعمل مع الرجل الذي أمّم المناجم ووزّع الأرض قبل عقود.

بعد ثلاثة أسابيع من أداء اليمين، جمع باز أخيراً حكومته ليكشف المفاجأة. أمر بإغلاق أبواب قاعة الحكم، و”طلب من السكرتيرات وقف كل مكالمات الوزراء”. قرأ بدريغال الستين صفحة كاملة أمام حضورٍ مصدوم، وكان متوتراً لدرجة أنه “نزف من أنفه بعد دقائق فقط”، بحسب اعترافه. أبلغ باز وزراءه أن المرسوم ليس محل نقاش، وفي صفقةٍ أخرى خلف الكواليس، ضمن دعم حزب المعارضة اليميني بقيادة بانزر مسبقاً. من عارض، قال لهم، فليستقل.

“لا أوافق”، أعلن وزير الصناعة. “تفضّل بالمغادرة”، ردّ باز. بقي الوزير في منصبه. مع تضخمٍ ما زال يتصاعد، ووعودٍ ضمنية بمساعدةٍ مالية ضخمة من واشنطن إن سلكت بوليفيا طريق العلاج الصادم، لم يجرؤ أحد على الرحيل. بعد يومين، في خطابٍ تلفزيوني حمل عنوان “بوليفيا تحتضر”، أسقط باز “الطوبة” البوليفية على شعبٍ لا يعلم ما ينتظره.

معجزةٌ لا تراها إلا من بعيد

صدق ساكس في توقّعٍ واحد: خلال سنتين، انخفض التضخم إلى 10 بالمئة، إنجازٌ مبهر بأي مقياس. أما إرث بوليفيا النيوليبرالي الأوسع، فمثارٌ للجدل بشدة. يتفق الاقتصاديون جميعاً أن التضخم السريع مدمّر إلى حدٍّ بعيد، غير مستدام، ويجب كبحه، وأن العملية نفسها تفرض ألماً كبيراً أثناء التصحيح. الخلاف الحقيقي يدور حول كيفية تحقيق برنامجٍ موثوق، ومن يتحمّل، في أي مجتمع، عبء ذلك الألم. يشرح ريكاردو غرينسبون، أستاذ اقتصاد متخصص في أمريكا اللاتينية بجامعة يورك، أن المقاربة الكينزية أو التنموية تسعى لتعبئة الدعم وتوزيع العبء عبر “عمليةٍ تفاوضية تضم الأطراف الرئيسية: الحكومة وأرباب العمل والمزارعين والنقابات”. هكذا يتفق الجميع على سياساتٍ للأجور والأسعار، بالتزامن مع إجراءات التثبيت. أما المقاربة الأرثوذكسية، كما يصفها غرينسبون، فهي “تحويل كل التكلفة الاجتماعية إلى الفقراء”. وهذا، بحسب حديثه، ما حدث بالضبط في بوليفيا.

كما وعد فريدمان في تشيلي، كانت التجارة الأكثر حرية مفترضاً أن تخلق وظائف لمن فقدوا عملهم. لم يحدث ذلك، وارتفعت البطالة من 20 بالمئة وقت الانتخابات إلى ما بين 25 و30 بالمئة بعد عامين. الشركة الحكومية للتعدين وحدها، التي أمّمها باز نفسه في الخمسينيات، تقلّصت من 28 ألف موظف إلى 6 آلاف فقط.

لم يستعد الحد الأدنى للأجور قيمته أبداً، خلال عامين، فقدت الأجور الحقيقية 40 بالمئة من قيمتها، وستفقد 70 بالمئة قبل أن ينتهي البرنامج. عام 1985، عام العلاج الصادم، كان متوسط الدخل الفردي في بوليفيا 845 دولاراً، بعد عامين هبط إلى 789 دولاراً. وهذا المقياس، رغم ضعف التقدّم الذي يعكسه، لا يقترب من تصوير التدهور الحقيقي في حياة كثيرٍ من البوليفيين اليومية. متوسط الدخل يُحسَب بجمع دخل البلاد كله وقسمته على عدد سكانها، يتجاهل هذا الحساب انقساماتٍ حادة كانت تجربة الصدمة في بوليفيا تكررها بالضبط كما حدث في بقية المنطقة: نخبةٌ صغيرة ازدادت ثراءً فاحشاً، بينما استُبعِدَت شرائح واسعة مما كانت طبقةً عاملة من الاقتصاد كلياً، وتحوّلت إلى “بشرٍ فائضين”. عام 1987، كان الفلاح البوليفي، الذي يُعرَف بـ”الكامبيسينو”، يكسب 140 دولاراً فقط في السنة، أقل من خُمس “متوسط الدخل” المزعوم.

شرح أحد قادة نقابة الفلاحين المشكلة بوضوح: “إحصاءات الحكومة لا تعكس تزايد عدد العائلات المضطرة للعيش في خيام، ولا آلاف الأطفال سوء التغذية الذين لا يحصلون سوى على قطعة خبزٍ وكوب شاي في اليوم، ولا مئات الكامبيسينو الذين قدموا إلى العاصمة بحثاً عن عمل، وانتهى بهم الأمر متسوّلين في الشوارع”. هذه كانت القصة الخفية للعلاج الصادم البوليفي: مئات الآلاف من الوظائف الدائمة، بمعاشاتها التقاعدية، أُلغيَت، وحلّت محلّها وظائف هشّة بلا أي حماية. بين عامي 1983 و1988، انخفض عدد البوليفيين المشمولين بالضمان الاجتماعي بنسبة 61 بالمئة.

عاد ساكس إلى بوليفيا مستشاراً وسط تلك التحولات، وعارض رفع الأجور لمواكبة أسعار الغذاء والوقود، مفضّلاً صندوق طوارئ لمساعدة الأكثر تضرراً، ضمادةً صغيرة على جرحٍ صار فاغراً. يتذكّره من عمل معه كحضورٍ لا يلين. قال غوني إنه في زياراته كان يكرر: “كل هذا الكلام التدريجي، ببساطة لا يجدي. حين يخرج الأمر عن السيطرة حقاً، عليكم أن تتوقّفوا عنه، وتتخذوا خطواتٍ جذرية، وإلا سيموت مريضكم”.

من نتائج هذا التصلّب أن كثيرين من فقراء بوليفيا اضطُرّوا للتحول إلى زراعة الكوكا، التي كانت تدفع عشرة أضعاف المحاصيل الأخرى تقريباً، مفارقة قاسية إن تذكّرنا أن الأزمة الاقتصادية الأصلية اندلعت أصلاً بسبب حصارٍ عسكري موّلته أمريكا نفسها ضد مزارعي الكوكا. بحلول 1989، كان عاملٌ من كل عشرة يعمل في مكانٍ ما ضمن صناعة الكوكا أو الكوكايين. من بين هؤلاء العمال كانت عائلة إيفو موراليس، الرئيس البوليفي المستقبلي، والقائد السابق لنقابة مزارعي الكوكا المتشدّدين.

لعبت صناعة الكوكا دوراً كبيراً في إنعاش اقتصاد بوليفيا وهزم التضخم، حقيقةٌ يعترف بها المؤرخون اليوم، لكن ساكس نفسه لم يذكرها قط في أي شرحٍ لانتصار إصلاحاته. بعد “القنبلة الذرية” بعامين فقط، صارت صادرات المخدرات غير الشرعية تدرّ دخلاً أعلى من كل صادرات البلاد الشرعية مجتمعة، وكان نحو 350 ألف بوليفي يكسبون رزقهم من جانبٍ ما من تجارة المخدرات. قال أحد المصرفيين الأجانب وقتها: “في الوقت الحالي، اقتصاد بوليفيا مُدمَنٌ على الكوكايين”.

في الأشهر التي تلت العلاج الصادم مباشرة، لم يكن كثيرون خارج بوليفيا يتحدّثون عن تعقيداتٍ كهذه. كانوا يروون قصةً أبسط بكثير: أستاذٌ جريء من هارفارد، أنقذ وحده تقريباً “اقتصاد بوليفيا المنهك بالتضخم”، بحسب مجلة بوسطن. كفى انتصاره على التضخم لتصبح بوليفيا قصة نجاحٍ باهرة للسوق الحرة، “الأكثر إثارةً في العصر الحديث”، كما وصفتها مجلة إيكونوميست. منحت “معجزة بوليفيا” ساكس مكانة نجومية فورية في الأوساط المالية النافذة، وأطلقت مسيرته خبيراً رائداً في الاقتصادات المأزومة، أرسلته لاحقاً إلى الأرجنتين وبيرو والبرازيل والإكوادور وفنزويلا.

لم يكن الإطراء الذي ناله ساكس بسبب هزيمة التضخم فقط في بلدٍ فقير. كان لأنه حقّق ما زعم كثيرون استحالته: ساعد على تدبير تحوّلٍ نيوليبرالي جذري، داخل حدود ديمقراطية، من دون حرب، تحوّلٌ أشمل بكثير من أي شيء جرّبته تاتشر أو ريغان. كان ساكس واعياً تماماً لثقل ما أنجزه تاريخياً. قال بعد سنوات: “بوليفيا كانت، في رأيي، أول اجتماعٍ فعلي بين الإصلاح الديمقراطي والتحوّل المؤسسي الاقتصادي. وأثبتت بوليفيا، أكثر من تشيلي، أنك تستطيع الجمع بين التحرر السياسي والديمقراطية والتحرر الاقتصادي. وهذا درسٌ بالغ الأهمية، أن يعمل الاثنان معاً بالتوازي، ويعزّز كلٌّ منهما الآخر”.

لم تكن مقارنته بتشيلي عابرة. بفضل ساكس، “بشير الرأسمالية الديمقراطية” كما وصفته النيويورك تايمز، تخلّص العلاج الصادم أخيراً من رائحة الديكتاتوريات ومعسكرات الموت التي علقت به منذ زيارة فريدمان المشؤومة لسانتياغو قبل عقد. أثبت ساكس، بعكس ما زعمه منتقدوه، أن حملة السوق الحرة لا تستطيع فقط النجاة، بل ركوب موجة الديمقراطية التي كانت تجتاح العالم وقتها. وساكس، بإعجابه بكينز، والتزامه المُعلَن الحماسي بتحسين أحوال العالم النامي، كان الرجل المثالي ليقود تلك الحملة نحو عصرٍ أكثر لطفاً وسلاماً في ظاهره.

كان اليسار البوليفي قد أطلق على مرسوم باز اسماً ساخراً: “البينوشيتية الاقتصادية”. بالنسبة لعالم الأعمال، داخل بوليفيا وخارجها، كانت تلك هي النقطة بعينها: استوردت بوليفيا علاجاً صادماً على طريقة بينوشيه، من دون بينوشيه، وتحت حكومةٍ يسار الوسط. قال أحد المصرفيين البوليفيين بإعجابٍ صريح: “ما فعله بينوشيه بحربة، فعله باز داخل نظامٍ ديمقراطي”.

بزّةٌ بدل الزيّ العسكري

رُويت قصة المعجزة البوليفية مراراً، في مقالات الصحف والمجلات، وفي كتاب ساكس الأكثر مبيعاً، وفي أعمالٍ توثيقية مثل ثلاثية “قمم القيادة” التي بثّتها قناة PBS. تحمل هذه القصة مشكلةً واحدة كبرى: إنها غير صحيحة.

أظهرت بوليفيا فعلاً أن العلاج الصادم يمكن أن يُفرَض على بلدٍ خرج للتو من انتخابات، لكنها لم تُظهر أن ذلك ممكنٌ ديمقراطياً أو بلا قمع، بل أثبتت، مرة أخرى، أن العكس هو الصحيح دائماً.

أولاً، كانت هناك مشكلة واضحة: لم يملك الرئيس باز أي تفويضٍ من الناخبين البوليفيين لإعادة صياغة البنية الاقتصادية الكاملة للبلاد. خاض حملته الانتخابية على منصةٍ قومية، تخلّى عنها فجأة في صفقةٍ خلف الكواليس. سنواتٍ بعد ذلك، ابتكر الاقتصادي النيوليبرالي المؤثر جون ويليامسون مصطلحاً لما فعله باز: “السياسة الفودو”، الأغلب يسمّونها ببساطة كذباً. لم تكن تلك المشكلة الوحيدة في رواية الانتصار الديمقراطي.

كما توقّع كثيرون، ثار جزءٌ كبير من الناخبين الذين انتخبوا باز على خيانته، وبمجرد صدور المرسوم، نزل عشرات الآلاف إلى الشوارع محاولين إيقاف خطةٍ تعني تسريحاتٍ جماعية وجوعاً متزايداً. جاءت المعارضة الأشد من الاتحاد النقابي الرئيسي في البلاد، الذي دعا إلى إضرابٍ عام شلّ الصناعة. رد باز جعل تعامل تاتشر مع عمال المناجم يبدو معتدلاً بالمقارنة. أعلن فوراً “حالة حصار”، وسارت دبابات الجيش في شوارع العاصمة، التي وُضِعَت تحت حظر تجوّلٍ صارم. لتنقّلهم داخل بلدهم نفسه، احتاج البوليفيون تصاريح خاصة. داهمت الشرطة المكافحة للشغب مقرات النقابات، وجامعة، ومحطة إذاعة، إلى جانب عدة مصانع. حُظِرَت التجمعات والمسيرات السياسية، وصار عقد الاجتماعات يتطلّب إذناً حكومياً. حُظِرَت السياسة المعارضة عملياً، تماماً كما كانت في زمن ديكتاتورية بانزر.

لتفريغ الشوارع، اعتقلت الشرطة ألفاً وخمسمئة متظاهر، وفرّقت الحشود بالغاز المسيل للدموع، وأطلقت النار على مضربين اتُّهِموا بمهاجمة الضباط. لضمان توقف الاحتجاجات نهائياً، اتخذ باز إجراءً أبعد. مع دخول قادة الاتحاد النقابي في إضرابٍ عن الطعام، وجّه باز الشرطة والجيش لجمع أهم مئتي قائدٍ نقابي في البلاد، وتحميلهم في طائرات، وإرسالهم إلى سجونٍ نائية في الأمازون. حسب وكالة رويترز، ضم المحتجزون “قيادة الاتحاد النقابي البوليفي، وكبار المسؤولين النقابيين الآخرين”، ونُقِلوا “إلى قرى معزولة في حوض الأمازون في شمال بوليفيا، حيث قُيِّدَت تحركاتهم”. كانت عملية اختطافٍ جماعي، مكتملة الأركان بطلب فدية: لن يُطلَق سراح المعتقلين إلا إذا أوقفت النقابات احتجاجاتها، وهذا ما وافقت عليه أخيراً.

بعد عامٍ واحد، حين تقدّمت حكومة باز في تسريحاتٍ جماعية بمناجم القصدير، نزلت النقابات إلى الشارع من جديد، وتكرّر المشهد الدرامي نفسه: أُعلِنَت حالة حصار، ونقلت طائرتان تابعتان للقوات الجوية البوليفية مئة من كبار قادة النقابات إلى معسكرات اعتقالٍ في السهول الاستوائية. هذه المرة، ضم المُختَطَفون وزيرين عمّاليين سابقين وسيناتوراً سابقاً، في مشهدٍ يستحضر “السجن الفاخر” الذي احتجز فيه بينوشيه أورلاندو ليتيلير أسبوعين ونصف في جنوب تشيلي. احتُجِز القادة في المعسكرات حتى وافقت النقابات، مرة أخرى، على إنهاء احتجاجاتها وإضراباتها عن الطعام.

كانت نسخةً مخفّفة من الحكم العسكري. لكي يفرض النظام علاجه الصادم، احتاج أشخاصاً بعينهم أن يختفوا، ولو مؤقتاً فقط. أقل وحشية بالتأكيد من اختفاء السبعينيات، لكنها خدمت الغرض نفسه بالضبط: تطهير طريق النقابات البوليفية حتى لا تقاوم الإصلاحات، ومحو قطاعاتٍ كاملة من العمال اقتصادياً. فقد هؤلاء العمال وظائفهم سريعاً، وانتهى بهم الأمر مكدَّسين في أحياء الصفيح المحيطة بلاباز.

جاء ساكس إلى بوليفيا مستشهداً بتحذير كينز عن الانهيار الاقتصادي الذي يُفرِّخ الفاشية، لكنه انتهى واصفاً إجراءاتٍ مؤلمة لدرجة أن فرضها احتاج تدابير شبه فاشية.

غطت الصحافة العالمية حملة قمع حكومة باز وقتها، لكن كخبرٍ عابر، ليومٍ أو يومين، عن أعمال شغبٍ نمطية في أمريكا اللاتينية. أما حين جاء وقت رواية قصة “إصلاحات السوق الحرة” الانتصارية في بوليفيا، فلم تدخل تلك الأحداث إلى الرواية أبداً، تماماً كما جرت العادة على حذف تلازم عنف بينوشيه مع “معجزة تشيلي” الاقتصادية. جيفري ساكس بالطبع ليس من استدعى شرطة مكافحة الشغب أو أعلن حالة الحصار، لكنه خصّص فصلاً كاملاً من كتابه “نهاية الفقر” لانتصار بوليفيا على التضخم، وبينما يبدو سعيداً بنصيبه من الفضل، لا يذكر شيئاً عن القمع اللازم لتنفيذ خطته. أقرب ما وصله من اعترافٍ إشارة عابرة إلى “لحظاتٍ متوترة في الأشهر الأولى من برنامج التثبيت”.

في رواياتٍ أخرى، يُمحى حتى هذا الاعتراف الضئيل. ذهب غوني إلى حد الزعم أن “التثبيت تحقّق في ظل ديمقراطية، دون المساس بحريات الناس الأساسية، وسمح لهم بالتعبير عن أنفسهم”. أما تقييمٌ أقل تجميلاً فجاء من وزيرٍ في حكومة باز نفسها، قال إنهم “تصرّفوا كخنازير استبدادية”.

ذلك التنافر قد يكون الإرث الأدوَم لتجربة العلاج الصادم البوليفية. أظهرت بوليفيا أن علاجاً صادماً مؤلماً بهذا القدر ما زال يحتاج هجماتٍ صادمة موازية على الفئات الاجتماعية المعرقِلة وعلى المؤسسات الديمقراطية نفسها. أظهرت أيضاً أن حملة الشركات يمكن أن تتقدّم بهذه الوسائل الاستبدادية الصريحة، وتظل مع ذلك تُصفَّق لها بوصفها ديمقراطية، لمجرد أن انتخاباتٍ جرت، بصرف النظر عن مدى قمع الحريات المدنية بعدها، أو مدى تجاهل رغبات الناخبين. كان درساً سيثبت فائدته البالغة لاحقاً، لبوريس يلتسين في روسيا، ولغيره من قادة السنوات التالية.

بهذه الطريقة، رسمت بوليفيا نموذجاً لنوعٍ جديد من الاستبداد، أكثر قابليةً للهضم: انقلابٌ مدني، ينفّذه سياسيون واقتصاديون بربطات عنق وبدلاتٍ رسمية، لا جنودٌ بزيٍّ عسكري، لكنه يجري كاملاً تحت الغطاء الرسمي لنظامٍ ديمقراطي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *