بعد أسابيع قليلة تبدأ معارض الكتاب، كم كتاباً اشتريتَه من معرض العام الماضي وهو الآن يتراكم عليه الغبار؟
لا داعي أن تجيب، الرقم محرج، وأنت غالباً ستعود هذا العام بحقيبة جديدة.
للظاهرة اسم ياباني هو “تسونْدوكو”، ويعني شراء الكتب وتكديسها دون قراءتها، ليست عادة عربية ولا يابانية، فحيثما وُجدت المكتبات وُجد من يشتري أكثر مما يقرأ، والأهم من الاسم هو السبب.
السبب أن الشراء يمنحك شعور الإنجاز قبل أن تنجز شيئاً، حين تحمل كيس الكتب من المعرض تحس أنك صرتَ أوسع ثقافة، وأنك استثمرتَ في عقلك، فيرتاح ضميرك، القراءة تطلب منك ساعات وتركيزاً، والشراء يطلب دقيقتين وبطاقة، فنختار الأسهل ونكافئ أنفسنا على النية، هذا فخ الراحة.
تخيّل رجلاً يعود من المعرض بأربعة وعشرين كتاباً في التاريخ والفلسفة وعلم النفس، يرتبها على الرف ويصوّرها وينشر الصورة، فتنهال عليه الإعجابات، بعد سنة يكون قد أنهى ثلاثة كتب فقط، وبقيت الواحد والعشرون ديكوراً أنيقاً، لم يخسر ثمنها وحده، خسر وهماً أيضاً: أنه يتعلم.
هذا وهم التعلّم، أن تعرف عنوان الكتاب وفكرته العامة واسم مؤلفه يعطيك إحساس من قرأه، والإحساس كاذب، المعرفة الحقيقية تبقى حين تقرأ الكتاب، تجادله، تفكر في معانيه.
ليس كل كتاب غير مقروء خسارة، يرى نسيم طالب أن الكتب التي لم تقرأها بعد تذكّرك بحجم ما تجهل، وقد استلهم الفكرة من مكتبة أمبرتو إيكو الضخمة، لكن هذا يصدق حين تكون المكتبة تواضعاً لا تباهياً، وحين تقرأ منها فعلاً.
فماذا تفعل قبل المعرض؟ حدّد عدداً تصدق أنك ستنهيه قبل المعرض التالي، واشترِ بقدره، اقرأ أول عشرين صفحة من كتب الرف القديم قبل أن تفتح محفظتك للجديد، فبعضها سيستحق المواصلة وبعضها ستتخلى عنه بلا ندم، وحين تنهي كتاباً اسأل نفسك سؤالاً واحداً: ما الذي سيتغير في يومي بعد هذا الكتاب؟
الليلة، افتح كتاباً من معرض العام الماضي واقرأ عشر صفحات.
