حين يصبح الرقم هو اللعبة: كيف يوقعنا قانون غودهارت في الفخ

طلب مصرف ويلز فارجو من موظفيه أن يبيعوا لكل عميل أكبر عدد ممكن من المنتجات، ثم ربط المكافآت والوظائف بذلك الرقم.

ماذا حدث؟

فتح موظفون ملايين الحسابات بأسماء عملاء لم يطلبوها، وزوّر بعضهم التواقيع، وحين انكشفت الفضيحة عام 2016، دفع المصرف غرامات ضخمة، وخسر ثقة لا تُشترى بسهولة.

لم يكن المطلوب من الموظف أن يزور، كان المطلوب أن يبلغ رقماً، لكن الضغط على الرقم صار شديداً إلى درجة بدا معها التزوير أيسر من الإخفاق.

هنا تبدأ الحكاية.

كانت الفكرة في أصلها معقولة: أراد المصرف قياس ولاء العملاء، فاختار عدداً يظن أنه يدل عليه، ثم حوّل العدد إلى هدف، عندها انصرف الجميع إلى الرقم، وتركوا الولاء خلفهم. هذا هو قانون غودهارت، المنسوب إلى الاقتصادي البريطاني تشارلز غودهارت الذي لاحظ هذه الظاهرة في سياسات النقد في منتصف السبعينات، وتلخّصه عبارة شهيرة تُنسب إلى الأنثروبولوجية ماريلين ستراذرن: حين يصبح المقياس هدفاً، يفقد صلاحيته كمقياس.

المقياس ظلّ للشيء الذي نهتم به حقاً، وليس الشيء نفسه، ما دمت تستعمل الظل لتعرف مكان صاحبه، فهو نافع، لكن إذا علّقت عليه الجوائز والعقوبات، تعلّم الناس كيف يطيلون الظل، ونسوا صاحبه. كل رقم يختزل واقعاً معقداً، وفي هذا الاختزال شيء يضيع دائماً، فإذا كافأنا الرقم، كافأنا ما التقطه وأهملنا ما فاته. والأرقام مغرية: واضحة، قابلة للمقارنة، وتبدو جميلة في الشرائح والتقارير، أما الجودة والولاء والفهم، فهي أبطأ وأعقد وأقل قابلية للعد، لذلك نميل إلى ما نستطيع أن نحسبه، ثم نعامله كأنه الأهم.

في المدارس، تقيس إدارة تعليمية جودة المدارس باختبار موحّد، فيبدأ المعلمون تدريب الطلاب على نماذج الأسئلة، تصعد الدرجات، لكن الفهم قد يبقى مكانه، وفي المكاتب، يُقاس ناصر بساعات حضوره، فيبقى بعد الدوام منتظراً خروج مديره، تطول ساعاته، ولا يزيد إنتاجه، أما عند صنّاع المحتوى، فالفخ ألطف شكلاً وأشد التصاقاً بالنفس.

تخيّل فيصل، صانع فيديوهات يقيس نجاحه بالمشاهدات، يكتشف أن العناوين الصادمة تجلب نقرات أكثر، فيكتب: «لن تصدق ما حدث!» أو «فضيحة ضخمة للشهيرة الفلانية!» ويحذف مقدمة مفيدة لأنها تبطئ بداية الفيديو، ثم يختار الموضوعات التي تحبها الخوارزمية، لا الموضوعات التي يريد قولها، بعد سنة، ترتفع أرقامه، لكن جمهوره قليل الولاء، ويخفت شغفه أيضاً، كان المقياس يخدمه حين يراقبه، فلما صار يطارده، بدأ المقياس يقوده، وحين يحاول فيصل العودة إلى ما يحبه، تهبط أرقامه، فيخاف، ثم يعود إلى مطاردة الرقم.

لماذا لا ننتبه مبكراً؟ لأن الأرقام تبدو ممتازة قبل أن يبدو الضرر، المؤشرات خضراء، والتقرير مبشّر، والاجتماع ينتهي سريعاً، لا أحد يرى المشكلة بوضوح حتى تقع، والأسوأ أن المتلاعب ليس بالضرورة شريراً، كثير من الناس يستجيبون بعقلانية للحافز الذي وضعه غيرهم، ونفعل ذلك بأنفسنا أيضاً، قارئ يضع هدفاً: خمسون كتاباً في السنة، فيختار الكتب الرقيقة، ويقفز فوق الصفحات، ويقرأ بعين على العداد لا على المعنى، في نهاية السنة يفوز بالرقم، ويخسر القراءة.

ليست المشكلة في القياس، من لا يقيس قد يتخبط، المشكلة تبدأ حين يتحول القياس من كاشف يساعدنا على الفهم إلى جائزة تستحوذ على القرار، هذه عادات صغيرة تحميك من الفخ:

  1. اقرن كل مقياس بما يوازنه. إن قست المشاهدات. فقس معها نسبة من أكمل الفيديو، وعدد الرسائل من متابعين استفادوا، التلاعب بمقياسين متقابلين أصعب من التلاعب بواحد.
  2. اكتب الغاية بجانب الرقم. قبل أن تطارد رقماً اسأل: ما الذي يقيسه فعلاً؟ المشاهدات تقيس انتباه الناس لكنها لا تقيس بالضرورة نفعك لهم.
  3. أبقِ حكم الإنسان في الصورة. يحتاج الرقم إلى شخص يعرف السياق ويستطيع أن يقول: ارتفع الرقم لكن الصورة ساءت.
  4. خفّف رهانك على رقم واحد. كلما زاد ما يتوقف على المقياس زادت إغراءات التحايل عليه.
  5. راجع مقاييسك دورياً. المقياس الذي نفع العام الماضي قد يفسد اليوم بعد أن تعلّم الجميع كيف يرفعونه.

سؤال أخير: ما الرقم الذي تطارده هذا الأسبوع؟

والأهم: ما الذي يقيسه حقاً؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *