قيمة الملل: لماذا يحتاج عقلك أن يضجر؟

متى كانت آخر مرة وقفتَ في طابور أو جلستَ في غرفة انتظار دون أن تفتح هاتفك؟ إن احتجتَ وقتاً لتتذكر فهذا بحد ذاته جواب!

خذ خالداً مثلاً، يقف كل صباح دقيقتين أمام ماكينة القهوة في مكتبه، وكان في السابق يحدّق في الجدار ويفكر، وفي إحدى تلك الدقائق خطرت له فكرة مشروعه الأول، أما اليوم فيقضيها في تصفح الرسائل، وتمر عليه الشهور دون فكرة جديدة.

الملل شعور مزعج، نهرب منه كما نهرب من الألم، لكنه إشارة من الدماغ بأن المهمة الحالية لا تكفيه وأنه يبحث عن شيء أفضل، فإذا تركناه يبحث وجد.

حين يتوقف الدماغ عن مهمة محددة تنشط فيه شبكة يسميها العلماء شبكة الوضع الافتراضي، تربط الذكريات بعضها ببعض وتتخيل المستقبل وتعيد ترتيب الأفكار، وهذا ما نحتاجه تماماً حين نبحث عن فكرة أو نتردد في قرار.

تؤيد ذلك تجربة أجرتها عالمة النفس ساندي مان في بريطانيا، طلبت فيها من مجموعة نسخ أرقام من دليل هاتف مدة طويلة، ثم ابتكار استخدامات لكوب بلاستيكي، فجاءت أفكار هذه المجموعة أكثر إبداعاً من أفكار مجموعة لم تمر بالمهمة المملة.

تروي الحكاية الشهيرة أن قطار جي كي رولينغ تأخر أربع ساعات عام 1990 وهي في طريقها من مانشستر إلى لندن، ومن ذلك الانتظار خرجت فكرة هاري بوتر، فلو كان في يدها هاتف اليوم لربما ضاعت الفكرة بين مقطعين قصيرين!

هنا تظهر مشكلتنا، فالهاتف لا يترك للملل فرصة، كل فراغ صغير يمتلئ في ثوانٍ بفيديو أو رسالة، وكل امتلاء يحرم الدماغ من لحظة التجول الحر، فنكسب التسلية ونخسر الأفكار التي كانت ستولد في تلك الفراغات.

طبعاً لا يفيد كل ملل، فالملل الذي يطول ويتحول إلى فراغ مؤلم يستحق الانتباه، لكن ما أقصده هنا الدقائق القصيرة التي نملأها بالعادة دون حاجة.

ابدأ بخطوات صغيرة، اترك هاتفك في جيبك أول خمس دقائق من أي انتظار، وامشِ إلى البقالة دون سماعات، واجلس عشر دقائق أمام النافذة بلا هدف، وستجد أن الدقيقتين الأوليين أصعب ما في الأمر، ثم يهدأ العقل وتبدأ الأفكار بالوصول. إنه نوع بدائي من التأمل.

الليلة، اترك هاتفك في غرفة أخرى عشر دقائق، ودع عقلك يضجر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *