كتابي "نغمات القهوة" متوفر للطلب، احصل على نسختك الآن!
كتابي نغمات القهوة
(رحلة شاملة في عالم القهوة، من تاريخها وفوائدها إلى ثقافاتها وأسرارها، لعشاق القهوة الباحثين عن المعرفة)

متلازمة الوصول: لماذا يخذلك الحلم في لحظة تحققه؟

قبل أكثر من 2300 سنة، بكى الإسكندر الأكبر. سنعود لهذا بعد قليل.

الآن، تخيل نفسك واقفاً أخيراً عند خط النهاية الذي ركضت نحوه سنوات.

الترقية التي حلمت بها، الشهادة التي سهرت لأجلها، الرقم الذي راكمته في حسابك البنكي بعد عقد من التقشف.

تصل، تفتح الباب، تنتظر ذلك الفيض من السعادة الذي تخيلته آلاف المرات وأنت في طريقك إليه.

لكن شيئاً غريباً يحدث: لا شيء.

فراغ باهت يحل مكان الفرح الذي وعدتك به نفسك.

هذا الشعور له اسم: “مغالطة الوصول”، صاغها عالم نفس ليصف وهم أن السعادة تسكن عند خط النهاية، تنتظرك تقطعه لتحتضنك بشوق.

العالم نفسه اختبر هذا الفراغ حين حقق حلم طفولته وفاز ببطولة في رياضة السكواش، توقع نشوة لا تُضاهى، فوجد بدلاً منها صمتاً كئيباً.

جذور المغالطة تعود لطريقة تفكيرنا في الزمن. نضع الهدف في المستقبل، ونُعلّق سعادتنا الحاضرة عليه كرهينة، نقول لأنفسنا: “سأرتاح حين أتخرج”، “سأطمئن حين أشتري البيت”، “سأشعر بقيمتي حين يعترف بي الناس”. لكن العقل لا يتوقف عند خط النهاية! فور أن تصله يصنع خط نهاية جديد أبعد، فتصير الترقية محطة عابرة نحو ترقية أخرى، ويصير البيت درجة في سلّم يتصاعد بلا قمة.

هناك تفسير بيولوجي لهذا الجحود: الدوبامين (الناقل العصبي الذي يمنحنا الحافز للسعي) لا يكافئنا عند الوصول بل عند الترقّب، تُطلقه أدمغتنا بغزارة أثناء المطاردة وتخفت شعلته فور أن نمسك بالجائزة، الجسد مصمم ليدفعك نحو الأمام لا ليحتفل معك حين تصل.

قبل ميلاد عيسى عليه السلام بثلائمئة سنة اجتاح هذا الشعور الإسكندر الأكبر حين وقف على حدود الهند بعد أن أخضع نصف العالم المعروف، بكى القائد العظيم، بكى لأنه لم يجد أرضاً أخرى يفتحها.

يروي رياضيون كثيرون هذا الفراغ بعد أن يرفعوا الكأس الذي طاردوه منذ طفولتهم، بعضهم يبكي، لا من الفرح، بل من ضياع لا يعرف اسمه، سنوات من التدريب انتهت في لحظة واحدة، ولم يبقَ سوى سؤال معلّق: ماذا الآن؟ الكاتب الذي ينشر أخيراً روايته الأولى والطالب الذي ينال الدكتوراه يشتركان في الدهشة المعتمة نفسها: أين الاحتفال الذي وعدتني به الحياة؟

حتى العروس التي خططت لحفل زفافها سنة كاملة، وحين ينتهي الحفل تجد نفسها جالسة وحيدة في غرفتها تحاول أن تعرف لماذا تصارع دموعها، لا حزناً، بل لأن اللحظة التي انتظرتها مرّت بسرعة أكبر من قدرتها على استيعابها، وتساءلت أين ذهب كل ذلك التوهج الذي وعدتها به المخيلة طوال أشهر التحضير.

المشكلة ليست في الهدف، بل في الصفقة التي عقدناها معه. حين نجعل السعادة مشروطة بلحظة واحدة نُفرغ الطريق الذي قطعناه إليها من معناه، السنوات التي سهرنا فيها، القرارات التي ضحّينا بها، اللحظات العادية التي مرت بيننا وبين الحلم، كلها تتحول إلى مجرد انتظار في غرفة إعداد باهتة، بينما الحفل الحقيقي كان يجري هناك طوال الوقت، ولم نحضره لأننا كنا نحدّق في الباب المغلق أمامنا.

هل الحل أن نتوقف عن السعي؟ لا يمكن، الطموح فطرة لا تُقمع.

بل أن نُبدّل السؤال الذي نطرحه على أنفسنا، فبدل “متى سأصل؟” نسأل: “بماذا أشعر الآن، بينما أسير؟”.

وبدل أن نخزّن فرحتنا في صندوق مغلق عند خط النهاية، نفتحه قليلاً كل يوم في الطريق، في مكالمة عابرة مع صديق، في فنجان قهوة، في لحظة صغيرة تشعر فيها أن يومك كان طيباً، رغم أن حلمك الكبير لا يزال بعيداً.

وحين تصل أخيراً، لا تنتظر من اللحظة أكثر مما تقدر أن تمنحك، احتفل بها كخطوة، لا كلحظة مفصلية، ثم امضِ قُدُماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *