سمعتُ عن “هبّة” جديدة، الكل يبحث عن لابوبو!
طوابير على مد البصر تنتظر بفارغ الصبر دورها لتنال لابوبو، المحلات تعلن نفاد الكمية، الناس يتحسرون أنهم لم يحصلوا عليها، أرغمني حب الاستطلاع أن أستكشف شكلها، وقد توقعتها لطيفة الهيئة فإذا بها دمية بشعة المظهر ذات أنياب بارزة وسحنة شيطانية! أهذا المسخ هو ما جُنَّ جنون الناس عليه؟
أعتقد أنها هجمة ثقافية مرتدة، الثقافة كثيرا ما تتأرجح بين قطبين، كالبندول، تارة لليمين وتارة لليسار، لما اختنقت أوروبا بدخان مصانع الثورة الصناعية تأرجح البندول نحو الرقة، فظهر أدب الرومانسية المناقض للصناعة، أدب لطيف يبحث عن الجمال في الطبيعة والمشاعر الإنسانية. في العالم الإسلامي لما انتشر الغلو في التصوف والكرامات ظهر تيار أهل الحديث والعقل ليعيد التركيز على النص والعلم والانضباط الشرعي. واليوم بعد انتشار الدمى الرقيقة مثل “هيلو كيتي” والجميلة كــ”باربي” يبدو أن البندول تأرجح نحو الطرف النقيض فصار الهوس في البحث عن البشاعة والنقص.
في عالم تسيطر عليه فلترة الصور، وخوارزميات انستغرامية تدفعنا نحو صورة واحدة للجمال، تظهر لابوبو لتقول: “الكمال ممل”. إنها تجسيد لجمال “الوابي سابي” الياباني: الجمال في الأشياء غير الكاملة، غير المتناظرة، التي تحمل شيئاً من خشونة الطبيعة. إنها تذكرنا بأن الإنسان الحقيقي فيه اعوجاج، وفي صوته بحَّة، وفي ضحكته نشاز. بينما تدفعنا منصات التواصل لأن نكون نسخاً مكررة من صورة مثالية واحدة، تقدم لابوبو بديلاً: أن تكون نفسك، بكل عيوبك.
تقول أسطورة لابوبو إنها مخلوقة تعشق المشاكسة والألاعيب. إنها ليست بطلة بالمعنى التقليدي، بل هي صديقتنا المشاغبة، وهذا ما ينجذب له جزء دفين من أنفسنا. كل منا لديه جانب مظلم، رغبات طفولية في كسر القواعد والعبث وعدم الالتزام بما يطالب به المجتمع. لابوبو تمنحنا إذناً بأن نعترف بهذا الظل داخلنا، بل وأن نحبه! هل تعرف ماذا مثّلت الآلهة في الميثولوجيا القديمة؟ مثّلت القوة، الحكمة، الجبروت، العلم، لكن أتى الإسكندنافيون بفكرة الإله “لوكي”، إله الخداع والفوضى والتحوّل، مُهرّج الآلهة الذي لا يتوقف عن إرباك نظامهم وصنع الاضطراب في عالمهم!عندما تشتري دمية لابوبو، أنت لا تشتري مجرد قطعة بلاستيك، أنت تنضم إلى قبيلة. حامل دمية لابوبو في المطار أو مُلصِقها على حاسوبه الشخصي يرسل إشارة سرية، رسالة صامتة تقول: “أنا أرى الجمال حيث لا يراه الآخرون، أنا لا أتبع المعايير التقليدية”.
لم تظهر لابوبو من فراغ. إنها ابنة شرعية لعصر القلق. عصر نعيش فيه تناقضاً صارخاً: اتصال رقمي لا نهائي، ولكن عزلة وجمود عاطفي عميق. نعيش خلف الشاشات، بينما نشتهي لمسة بشرية. لابوبو تقدم شيئاً ملموساً، شيء يمكنك لمسه، وضعه على رف مكتبك، الابتسامة له. إنها تذكرنا بأن الجمال الحقيقي ليس في الكمال، بل في القصص التي تحكيها، والروابط التي تخلقها، والمساحة التي تفتحها لأن نكون، قليلاً، على طبيعتنا.
