كتابي "نغمات القهوة" متوفر للطلب، احصل على نسختك الآن!
كتابي نغمات القهوة

الناس الذين يعملون بينما أنت نائم

أول وظيفة عملتها هي موظف دعم فني، كنت أدعم بالهاتف زبائننا الذين لديهم مشاكل في الانترنت، يتصلون علينا ونساعدهم خطوة بخطوة في تشخيص وحل المشكلة. تلك الوظيفة كانت بنظام الورديات، فأول وردية من 8 صباحا إلى 4 عصرا، وبعد أسبوع يتغير جدولي فيكون من 4 عصرا إلى 12 ليلا، وبعدها بأسبوع أنتقل إلى وردية 12 الليل إلى 8 صباحا.

هذا الجدول أنهك نظام نومي وعبث بساعتي البيولوجية، لكني استمتعت به لأنها أول وظيفة لي، كانت وردية الصباح تقليدية: تصل إلى عملك صباحا، العمل خفيف في الصباح، مكالمات قليلة، ثم تزداد بالتدريج بعد الساعة 10 ولا تتوقف عن الزيادة حتى الساعة 4، حينها أتنفس الصعداء وأسلم الوردية للزملاء. وردية العصر هي الأشق، فأغلب المكالمات أتت بعد صلاة العصر وتنهمر بلا توقف حتى قرابة 11 ليلا، فيكون لدينا وقت قليل نلتقط فيه أنفاسنا قبل نهاية اليوم. أما وردية منتصف الليل فكانت أحبها لي، لأن العمل خفيف جدا، الساعة 12 ليلا الغالبية الساحقة من الناس قد خلدوا إلى النوم، فقضيت وقتي ألعب أو أتصفح أو أدردش، ولا تبدأ المكالمات تأتي إلا السابعة صباحا وهي قليلة.

في وردية منتصف الليل كنت أعمل قريباً من برج الفيصلية في حي العليا في الرياض، والناس نائمون. أخرج من مكان عملي بضع دقائق، أنظر للشارع، هدوء، لا سيارات، لا إزعاج، المحلات مغلقة. أتذكر بحنين تلك الحقبة، وأفكر: من الذين يعمل والناس نائمون؟

في مطعم على طرف الطريق، يقف مدير الوردية الليلية أمام شاشة الطلبات. العمال غادروا، الطاولات أُفرِغَت، لكنه يراجع الحسابات، يرتب المخزون، يستقبل شحنة خضار وصلت قبل الفجر.

في مستشفى بعيد عن الضوضاء، يقف جرّاح إصابات أمام جسد مفتوح. نزيف حاد، دقائق تفصل بين الحياة والموت، شاب أخرج رجال الإسعاف جسده الدامي من سيارته المُدمَّرة. أسرته تنام، لا تعلم أن ابنها يقف تحت ضوء أبيض قوي والجراح يحاول أن يعيد قلبه إلى نبض منتظم. حين تشرق الشمس قد يكون شخص عاد إلى الحياة، لأن آخر رفض أن ينام.

على الحدود، يجلس عسكري خلف شاشة رادار. لا تصفيق، لا جمهور، لا قصة تُروى. عينه على السماء، وأخرى على الأرض. تمر طائرة، تعبر مركبة، يدوّن، يتأكد، ينتظر. نحن ننام لأن أحدا يراقب.

في صحراء تمتد بلا نهاية، تسير دورية شرطة بين كثبان مظلمة. مصابيح السيارة تشق الظلام، اللاسلكي يهمس، والرمل يبتلع الصوت. مجرد وجود. أحيانا الوجود وحده يكفي لطرد شياطين الإنس وأباطرة المخدرات.

هناك أيضا عمّال المخابز. الثالثة فجرا، العجين يُعجَن، الأفران تُسخَّن، أرغفة تُصفّ على رفوف خشبية. حين تشتري خبزك ساخنا، كان أحدهم قد بدأ يومه قبل أن تنام أنت بساعتين.

عامل النظافة الذي يمر في الشارع قبل الفجر. يجمع بقايا يومنا، يرفع أكياسا تركناها بلا اكتراث، يغسل الأرصفة. حين نخرج صباحا ونقول إن المدينة نظيفة، لم يحدث ذلك صدفة.

حين كنت في وردية منتصف الليل، لم أشعر أنني أضحي. كنت أقبض راتبا وأمضي وقتي بهدوء. لكن مع الوقت فهمت أنني جزء من شبكة لا نراها. شبكة تجعل المدينة حية.

العالم لا ينام. إنه فقط يغيّر الوردية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *