كتابي "نغمات القهوة" متوفر للطلب، احصل على نسختك الآن!
كتابي نغمات القهوة
(رحلة شاملة في عالم القهوة، من تاريخها وفوائدها إلى ثقافاتها وأسرارها، لعشاق القهوة الباحثين عن المعرفة)

كيمياء الانتماء: لماذا نحتاج لشهود على حياتنا؟

في المقهى رأيت رجلاً يرتب محتويات المنضدة بعناية لكي يصور قهوته. استغربت! هذا التصرف ظننته مقصورا على النساء لكن يبدو أن هوس توثيق اليوميات أصاب الجميع.

لماذا نشعر برغبة ملحة في توثيق فن اللاتيه على هيأة وزة أو تصوير طبق السوشي الفاخر قبل أن نبدأ الأكل؟ هل هي مجرد سطحية معاصرة أم أن هناك حاجة إنسانية ضاربة في العمق تجعلنا نبحث عن شهود يثبتون لنا أننا موجودون حقاً؟

يظن البعض أن هذه السلوكيات وليدة عصر السناب شات والإنستغرام، لكن الحقيقة أن البشر طاردوا فكرة التوثيق منذ قرون، في القرن السادس عشر الميلادي في هولندا ظهر ما عُرِف باسم ألبوم أميكوروم (Album amicorum) أو كتاب الأصدقاء، هذا الكتاب تنقَّل بين الأيدي، يكتب فيه الناس آراءهم وإشاعاتهم وطرائفهم وأي شيء يريدونه، تماماً كما نفعل اليوم في السوشل ميديا التي لم تأتِ بجديد في جوهرها، بل غيّرت فقط الأدوات.

في بئر أعماقنا، نخشى جميعاً الغرق في العدم. إن الشعور بالفراغ أو عدم وجود معنى هو من أثقل الأشياء التي يمكن أن تغمر الإنسان، نوثق الفلات وايت والرحلات ليس حباً في الصورة ذاتها بل هرباً من ذلك الفراغ، نحتاج لمن يرى لحظاتنا ليعطيها صفة الوجود، الكثير من الناس لا يرى نفسه إلا في عيون الآخرين، وكأن اللحظة التي لا تُصوّر هي لحظة لم تحدث، أو هي لاشيء يهدد كياننا.

عندما نتابع يوم في حياة فتاة سوشل ميديا، نرى سلسلة من المشاهد المصممة بعناية، من المكياج الصباحي إلى المقهى الجديد وصولاً للمطعم الياباني الفاخر، لكن هذه الصور تصنع تمثالاً دائماً في ذهن المشاهد، صورة مبتسمة خادعة توحي بسعادة مطلقة، وهنا تكمن المأساة، فقد تحول الاحتياج الروحي للاعتراف والانتماء من تواصل إنساني دافئ إلى استهلاك رقمي بارد، نحن نستهلك الصور لنثبت أننا نعيش، بينما الحقيقة أن العيش هو أشمل بكثير من مجرد التنفس أو التوثيق!

لقد شتّتت الإنترنت أدمغتنا وجعلت قراءتنا وتواصلنا ضحلاً، هذا الاستهلاك الرقمي جعلنا نركز على الصورة المبتسمة ونهمل الحقيقة المعقدة للإنسان الذي لا يظل سعيداً مدى الحياة، القيمة لم تعد في اللقاء بل في التوثيق، فبينما كان كتاب الأصدقاء قديماً يوثق روابط حقيقية أصبح التوثيق الحديث وسيلة للشهرة بأي ثمن، حتى لو كان عبر تحديات حمقاء في تيكتوك أو استعراض زائف على انستغرام.

قيمتنا ليست في عدد الشهود الرقميين على حياتنا ولا في جودة فن اللاتيه الذي نصوره، بل في العمق الذي نعيش به لحظاتنا بعيداً عن العدسات، وفي التصالح مع أنفسنا في ذلك البئر العميق الذي لا يراه أحد سوانا.

2 thoughts on “كيمياء الانتماء: لماذا نحتاج لشهود على حياتنا؟

  1. أشكرك على طرحك، أستاذ إبراهيم.

    أجد الزاوية التي تناولت منها هذا الموضوع جميلة جدًا، وهي بالفعل تلفت الانتباه إلى الرغبة في إثبات الذات، وإثبات الوجود.

    واسمح لي، أستاذي، أن أضيف زاوية أخرى، وهي التعطش المستمر للقبول، والتوق الدائم إلى الإعجابات. وأنا لا أتحدث هنا عن الأشخاص الذين يسعون إلى الإعجابات طلبًا للشهرة، فهؤلاء يدركون أن الإعجابات ليست سوى وسيلة. وإنما أتحدث عن أولئك الذين أصبح عدد الإعجابات التي يتلقونها في يومهم معيارًا لحالتهم النفسية. فإذا ارتفع عددها شعروا بالإنجاز والارتياح وتحقيق الذات، وإذا انخفض انتابهم الضيق والهم. فما بالك بمن لا يتلقى أي إعجاب؟ فقد يفسد ذلك مزاجه لأيام.

    ولنبتعد قليلًا عن هذه الصورة السطحية، ولنتحدث عن شيء أعمق: تحقيق الذات من خلال العمل والإنجاز وصناعة الأثر. فبعض الأشخاص يرون أن ذواتهم تتحقق في أعمالهم، ولذلك نجد أن بعضهم يواجه صعوبة بالغة في التخلي عن وظيفته.

    وتحمّلني قليلًا، فسأذهب إلى مستوى أعمق. فرغم نبل العمل، وسمو الأثر الذي يمتد نفعه إلى أعداد كبيرة من الناس، فإنني أرى أن فيه أيضًا ربطًا لمستوى الرضا عن النفس بأمور لا نملك عليها أي تحكم. وإذا لم نبلغها، فقد نجد أنفسنا أمام الأثر النفسي ذاته الذي يصيب أولئك الذين يربطون قيمتهم بعدد الإعجابات. وأنا هنا لا أساوي بين الأمرين في النبل، وإنما أشير إلى فكرة واحدة، وهي ربط تحقيق ذواتنا بأشياء تقع خارج نطاق سيطرتنا، وما يترتب على ذلك من أثر في نفوسنا.

    ولذلك، فإن السؤال الذي أقترح أن يُطرح هو: هل ما نقوم به هو فعلًا الطريق الصحيح للوصول إلى تحقيق الذات، ومعرفتها، والشعور بالرضا عنها؟ وهل يمكن أن يكون الحل في التخلي عن تلك القيود، بما يسمح للذات بأن تتجلى وترتقي، فنبلغ ما نرجوه، بدلًا من أن نربطها بأشياء لا نملك عليها يدًا؟

    1. أهلاً بك أخي سالم، وأشكرك على هذه الإضافة العميقة التي أخذت الفكرة إلى أبعاد أكثر شمولاً.

      أتفق معك في تدرجك الرائع من السطحي (الإعجابات) إلى النبيل (العمل والأثر). لقد وضعت إصبعك على الجرح الحقيقي، وهو ربط قيمتنا الذاتية بما يقع خارج نطاق سيطرتنا. هذه الفكرة تتقاطع مع جوهر الفلسفة الرواقية التي تؤكد أن الرضا لا يتحقق إلا حين نفصل سلامنا الداخلي عن العوامل الخارجية، ونركز على ما نملكه فعلاً: نوايانا وسعينا الداخلي.

      عندما نربط ذواتنا بالأثر أو العمل، فإننا نرهن طمأنينتنا لظروف قد تتغير أو لأشخاص قد لا يقدّرون هذا الأثر. وكما تفضلت، النتيجة النفسية عند فقدانه قد تكون موازية لفقدان الاعتراف الرقمي، رغم اختلاف نبل الغايتين.

      إجابةً على تساؤلك الختامي: التخلي لا يعني التوقف عن العمل، بل يعني أن نعمل لأن ذلك يعبّر عن قيمنا، دون أن نجعل تقييم الآخرين مقياساً لوجودنا. عندها تتجلى الذات الحقيقية وتصل إلى سكينة لا تهزها تقلبات الحياة.

      مداخلتك أضاءت زاوية مهمة وأكملت الفكرة ببراعة، شكراً لعمق طرحك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *