يصرخ الغيتار بــ”سولو” مدهش في جماله، لأغنية اسمها Mama I’m Coming Home، من شخص كأنه يكلم أمه بندم وشوق، يزف لها البشرى أنه بعد جفاء وانقطاع سيعود لها.
في الحقيقة كتبها أوزي أوزبورن عن زوجته، ورمز لها بالأم هنا لسبب ما، ربما لأنها كانت له مثل الأم في لحظات الحضيض.
ماذا أيضا نشبّهه بالأم؟ الطبيعة. يسمونها mother nature. عندما تستلقي في الطبيعة العذراء، ألا تشعر بضمة حنون لا تعرف كيف تصفها؟ نزلت في شلال خفيف ذات مرة، أعادت لي شعورا كأنه ازلي لكن يسكنني، كأنها ذكرى جنة دخلتها ثم أُنسيتها. ستشعر بقطرات من الحنين لوطنٍ قديم مجهول لا تعرف عنه شيئا، إلا أنه يأتيك على هيئة محات خاطفة. أعتقد أنها الجنة، في كل نفس هناك بقايا مدفونة لها، وهذه اللحظات تثير شوقك إليها.
“إني لأجد ريح الجنة دون أُحُد”، قالها الصحابي أنس بن النضر قبل دقائق من استشهاده، هذه المرة أعتقد أنه شمها فعلا، كُشف الحجاب واشتم الروائح الفردوسية التي لا توصف، بعد أن هُزِم المسلمون في المعركة، ربما ليثبّت الله بها قلبه، أمامه أهوال وشدائد وقرقعة سيوف ومهالك، يحتاج هذه التربيتة اللطيفة على ظهره، وكان لم يشهد معركة بدر وأسف على هذا وعاهد الله أن يبلي بلاء حسنا في المعركة القادمة، وجدوا فيه قرابة 100 ضربة بالسيف حتى لم يعرفه أحد من شدة التشويه، ونزلت فيه الآية: “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه”.
ها الوطن أيضاً. يغترب الإنسان سنين، يظن أنه نسي رائحة بيته القديم، حتى يهبط من الطائرة فتصفعه رائحة التراب بعد المطر، فيقف مكانه، تتسلل الذكريات من كل جهة، كأن الأرض عرفته قبل أن يعرف نفسه.
والقمر أمٌّ أيضاً. تأمّل أعرابياً وحيداً في صحراء موحشة، لا صوت إلا الريح، يرفع رأسه فيجد القمر معلّقاً هناك كما كان معلّقاً فوق أجداده قبل آلاف السنين. لهذا سمّته حضاراتٌ كثيرة “الأم”، فهو الوجه الوحيد الذي لا يتبدّل مهما تبدّلت أرضنا تحتنا.
والبحر أمٌّ، وإن قسا أحياناً. يقف الصياد على الشاطئ فجراً، يرمي بصره في الأفق، ويعرف أن هذا الماء أطعم أجداده، وسيُطعم أبناءه، بينه وبين البحر عهدٌ يشبه عهد الرحِم، يُغذّي، ويأخذ أحياناً، لكنه لا ينقطع.
وكتاب الطفولة كذلك أمٌّ صغيرة. يفتحه الرجل بعد عشرين سنة فتصعد منه رائحة الورق نفسها، تعود به إلى غرفته الأولى، إلى صوت أمه تقرأ له قبل النوم، وكأن الكتاب حفظ له تلك اللحظة كما تحفظ الأم صوراً قديمة في صندوقٍ لا تفتحه إلا نادراً.
كلها تحتضنك دون أن تسألك من أنت، وتبقى في مكانها سواء أحسنتَ إليها أم أسأتَ، وحين تعود إليها بعد غياب، لا تسألك أين كنت، بل تفتح ذراعيها.
وربما هذا الحنين كله — للأم، للوطن، للقمر، للبحر، للكتاب القديم — ليس إلا صدىً واحداً يتكرر بأصوات مختلفة، صدى فردوسٍ فقدناه قبل أن نعرف أننا كنا فيه. لا نتذكره، لكننا نشمّ رائحته أحياناً في مواضع غريبة، فنحنّ إلى شيء لا اسم له.
