تخيّل ماجداً ادّخر ثلاث سنوات ليشتري سيارة أحلامه، بالإضافة إلى اقتراض من البنك. في الأسبوع الأول كان ينزل إلى الموقف ليتأملها قبل النوم، وفي الشهر الثاني صار يركبها وهو يرد على الرسائل، وفي الشهر السادس اشتكى أن مقاعدها أقل راحة مما توقع.
لم تتغير السيارة، تغيّر ماجد.
يسمي علماء النفس هذه الظاهرة «الاعتياد المتعي»، ويشبّهونها بجهاز المشي: تركض وتبقى في مكانك. كل فرح كبير يرفعك إلى مستوى جديد، ثم تنزل منه تدريجياً حتى تعود إلى حيث كنت. صاغ الصورة عالما النفس برِكمان وكامبل في السبعينات، وما زالت تفسّر لماذا لا يدوم الرضا الذي نطارده.
السبب أن الدماغ يلتقط التغيّر ولا يلتقط الثبات. الجديد يوقظه والمألوف ينام عنه، فالبيت الذي حلمتَ به يصير بعد أشهر مكاناً تسكنه فقط، والراتب الذي أفرحك يصير الرقم الذي تعوّدتَ عليه، ثم تبدأ بالنظر إلى الرقم التالي. وهذا ما رأيناه في وهم الوصول وتأثير ديدرو: نظن أن الوجهة تكفينا، ثم نكتشف أن المشكلة ليست غياب الشيء بل اعتيادنا عليه.
وخطورة الاعتياد أنه لا يُحَسّ. لا أحد يستيقظ صباحاً فيقول: اليوم اعتدتُ على بيتي. يحدث ببطء، ولا ننتبه إلا حين نشتهي الجديد.
وللإنصاف، الاعتياد ليس كاملاً ولا متساوياً. بعض الأفراح تتلاشى بسرعة وبعضها يترك أثراً أطول، والأحداث الكبرى كفقد عزيز لا يتبخر أثرها بسهولة. لكن القاعدة العامة تصمد: ما يحصل لنا يفقد بريقه أسرع مما نتوقع.
فما العمل؟ ثلاث أدوات بسيطة:
- استحضر الغياب. تخيّل لدقيقة أنك فقدتَ هذه النعمة، سيارة أو وظيفة أو صحة أو صديقاً، ثم افتح عينيك. الشكر هنا تدريب عملي وليس عبارة تقال.
- نوّع، ولا تكرّر. الاعتياد يسرع حين يتكرر المنبّه نفسه، فنزهة جديدة كل شهر أبقى أثراً من مطعمك المفضل كل أسبوع.
- اشترِ لحظات أكثر من الأشياء. تميل التجارب كالسفر والجلسات مع الأحبة إلى البقاء في الذاكرة أطول من الأغراض، لأنها تتحول إلى قصص نرويها، والأشياء تتحول إلى أثاث.
تذكّر الليلة شيئاً تمنيتَه قبل سنة وصار عندك اليوم.
