كتابي "نغمات القهوة" متوفر للطلب، احصل على نسختك الآن!
كتابي نغمات القهوة

تقييم فيلم Raging Bull: تحفة سكورسيزي التي حوّلت الملاكمة إلى دراسة نفسية خلّابة

فيلم Raging Bull أحد أفضل الأفلام في التاريخ، نال عدة أوسكارات، يتكلم عن حياة الملاكم الحقيقي جيك لاموتا الذي خاض ملاكماته في الأربعينات والخمسينات الميلادية، لكنه ليس حصريا عن الملاكمة، بل الجزء الأهم في الفيلم هو حياة لاموتا الشخصية، هنا يتحول الفيلم إلى دراسة نفسية أخّاذة!

جيك رجل عنيف ليس في الحلبة فحسب بل في غرفة المعيشة أيضا، ليس ذكياً، أشبه بإنسان النياندرثال البدائي، غيور إلى حد الجنون، شكّاك إلى درجة المرض.

روبرت دينيرو يقدّم أداءً سطّره التاريخ، إنه لا يمثّل هنا، بل ينصهر في الدور، تحوُّلٌ لم يُرَ مثله من قبل، ففي نصف الفيلم تدرّب على الملاكمة حتى اكتسب جسدا عضليا قويا وأسلوب ملاكمة حقيقي، وفي النصف الآخر – الذي يمثل حياة جيك بعد أن اعتزل وصار سميناً – زاد دينيرو وزنه حتى حصل على نفس الجسم البدين.

جيك ليس له أصدقاء كثيرون، لا يثق إلا في أخيه جوي وهو أيضا مدير أعماله ورفيقه الوفي، وحتى جوي لا يسلم من الغضب المتفجر، حتى إن جيك ضرب جوي بعنف أمام زوجته وأطفاله حتى كاد يقتله لما شك أنه على علاقة بزوجته.

القصور الجنسي وجنون الشك

“فيكي” زوجة جيك لها نصيب الأسد من عنفه، رآها لأول مرة في مسبح عام وعمرها 15 سنة، شقراء خلّابة الجمال، كأن صاعقة ضربته لما أبصرها فوقف مشدوهاً، تعرّف عليها ولاحقا تزوّجها، وهنا تحوّل الغزل إلى أمواجٍ هائلة من الشك والتملّك، جمالها الذي سحره صار نقطة ضعفه فيشك في كل الحي وكل المعارف أنهم يريدونها، يتهمها باستمرار وهي تنكر، يلطم وجهها بعد أن حيّت بعض معارفه لأنه ظن أن تلك التحية الاجتماعية البريئة مريبة، كان شر زوج حتى بعد أن أنجبت أطفاله، فلم يراعِ حق الأمومة وظل يضربها بسبب اتهاماته لها والتي سببها شكه الجنوني. (كان جيك لاموتا حاضرا في السينما وكذلك طليقته فيكي عند عرض الفيلم لأول مرة وهما يشاهدان تمثيل حياتهما، والتفت لها جيك وقال: لم أعرف أني كنت زوجاً سيئا لهذه الدرجة معك. ردّت فيكي: بل كنتَ أسوأ من ذلك!)

في علم النفس أتى سيغموند فرويد بنظرية مادونا والعاهرة، وهذا ما يعاني منه جيك في نظرته المضطربة للمرأة، عقدة مادونا والعاهرة هي حالة نفسية يرى فيها الرجل النساء على طرفين متناقضين: إما “مادونا” العذراء (ويقصد بها امرأة نقية، محترمة، مثالية، بعيدة عن أي شيء جنسي)، أو “عاهرة” (مثيرة مرغوبة لكن محتَقَرة)، ولا يستطيع الجمع بين الاحترام والرغبة في امرأة واحدة. هكذا نظر جيك إلى فيكي: قبل أن يتملّكها هي كائن طاهر لم يمسسه بشر، ملاكٌ يحلّق بين غيوم التقديس التخيّلي، ولما نالها انقلبت نظرته، إنها ملوّثة الآن، ذهبت عذريتها ونقاؤها، إنها تستحق الاحتقار والعنف. هذا المرض النفسي موجود في كل المجتمعات المتدينة، وجيك بما أنه أمريكي من أصل إيطالي فقد تأثر بالدين الكاثوليكي النصراني والذي ساهم في صنع هذا المرض النفسي.

يقول الناقد روجر إيبرت: «إنه أفضل فيلم شاهدته عن انعدام الثقة بالنفس والقصور الجنسي والخوف الذي يدفع بعض الرجال إلى إساءة معاملة النساء». بمعنى آخر فإن جيك لا يضرب زوجته لأنه ببساطة “شرير”، بل لأنه يعاني من شعور عميق بالنقص، لا يشعر بالكفاية كرجل، يخاف من أن يُستبدَل أو يُحتقر. هذا القصور العاطفي والجنسي يجعله يشك في زوجته، يفسّر أي كلمة أو نظرة على أنها خيانة. وعندما يعجز عن مواجهة هذه المخاوف، يترجمها إلى عنف. الفيلم يعرض هذه الحالة النفسية بعمق صادم: الرجل الذي يشعر أنه غير مرغوب، أو أنه لا يملك السيطرة، يلجأ إلى السيطرة الجسدية، إلى الضرب أو الإذلال، لإثبات نفسه، لا أمام المرأة فقط، بل أمام نفسه أيضًا.

التكفير عن الذنوب

جيك أحياناً بعد أن يصب جام غضبه على بريء فإنه يشعر بوخز الضمير، ولا يعرف يتعامل مع هذا، لا يعتذر مثلاً أو يراضي الناس، إنه يعذب نفسه عمداً في الحلبة. بعد أن ضرب أخاه ذاك الضرب العنيف كان بعدها بأيام حدث ملاكمة مع الملاكم الشهير ري روبنسون أحد أعظم الملاكمين في التاريخ، وأدى فيها جيك أداء ممتازا، ثم تراجع جيك حتى جعل ظهره إلى حبال الحلبة، وأنزل يديه، وتلقى الضربات العنيفة التي أتت مثل رشاش، انفجر أنفه بالدم، انتفخت عيناه، تورّم وجهه، يتمسك بالحبال لكي لا يسقط، إنه يعذب نفسه كتكفير عن ذنبه الموبق لما حطم وجه أخيه أمام عائلته، ويصوّر الفيلم جيك وهو واقف ويداه ممتدتان إلى جانبيه تتمسكان بالحبال وكأنه مصلوب يُعذّب، مشهد يحاكي ما يظن النصارى أنه صَلبُ عيسى الذي يعتقدون أنه عُذِّب وقُتِل باختياره ليحمل خطيئة البشرية، جيك يتعذّب باختياره ليكفّر عن خطيئته ضد جوي.  

المُشاهد داخل الحلبة

مشاهد الملاكمة فريدة، المخرج العبقري مارتن سكورسيزي لا يصوّرها وكأننا ننظر لها من الخارج، بل ينقلك إلى داخل الحلبة، الضربات تتغلغل داخلك، تشعر أنها حقيقة، كأنك أنت الذي تُضرَب، كل لكمة لها صوت انفجار، لا تستطيع أن تشاهد بحياد، أنت وسط زوبعة اللكمات رغماً عنك! اللكمات تتداخل مع أضواءٌ خاطفة كأنّها ومضات برق في ليل عاصف، هذه المشاهد لا تُُعرض لتُشاهَد، بل لتُعاش. لا تُقرَأ كفصول في قصة، بل تُحسّ في الجلد والعظم. بعد فترة قصيرة تشعر أنك محبوس في صندوق حديدي مع جيك في الحلبة، ترى غضبه وضعفه وعنفه.

في الحلبة يحلّ جيك مشكلاته الخاصة كما رأينا، ليس فقط الشعور بالذنب، بل غيرته الجنونية، فكان ذات مرة على موعد ملاكمة مع أحد الملاكمين الشباب، وسمع زوجته تصفه أنه شاب وسيم، فثار غضبه وغيرته وصرخ عليها وسألها كيف عرفت أنه وسيم، وظل تعليقها هاجساً يعذّبه إلى أن أتى وقت الملاكمة، والتي فجّر فيها كل غيظه وغيرته على خصمه، وأخذ يضربه بعنفٍ مريع حتى كسر أنفه، وسقط على الأرض، فرفع الحكم يدي جيك والذي تبختر في الحلبة ظافرا ونظر لزوجته في الحضور نظرة وكأنه يقول “أرأيتِ ما فعلتُ بالشاب الوسيم؟”.

مشهد جيك وهو يرفع يديه…بديع. والفضل للمخرج سكورسيزي، وسط تصفيق الجمهور وإعلان المذيع لهذا الانتصار، تنزل الكاميرا من الأعلى شيئا فشيئا، تصوّر يديه المرفوعتين، ثم ترى وجهه المنتصر، وكأن كل خلية في جسده تنفجر بفخرٍ ذكوري، كأنه أسدٌ انتصر في معركة دامية وسط الأحراش. لقد استعاد رجولته.

مشاعر الحيوان المتفجرة

جملتان قالهما جيك تلخصّان طبيعته، الأولى “أنا لست حيواناً”، يصفه الجيران وأخوه أنه حيوان، وحتى حراس السجن لما سحبوه بالقوة إلى زنزانته لما أُدينَ بتهمة تتعلق بفتاة قاصر، وبعد انهياره في الزنزانة يحاول إقناع نفسه بأنه ليس كذلك، يلكم الجدار ويصرخ ويبكي “أنا لست حيواناً”. لكن الحقيقة أنّ جيك لاموتا شبيه بالحيوان بالفعل، غرائزه تحكمه لا التفكير بالعواقب، غير قادر على ضبط غيرته تجاه زوجته، ينفجر بعنف غريزي متكرر، هذه الطبيعة جعلته ملاكماً عظيماً لا يتراجع أمام خصومه، لكنها في حياته اليومية دمّرته، لا يسيطر على شهواته أو نهمه للطعام والنساء.

الجملة الثانية هي “أنا الزعيم I’m the boss”، يقولها كثيراً ليشد عزيمته قبل أن يخرج للحلبة، هذه العبارة تلخّص شخصيته: مهووس بالسيطرة دائماً. رفض أوامر المافيا لأنهم أرادوا أن يفوز بطريقة مدبّرة، وأصر أن ينتصر بمفرده، في وقت كانت المافيا ذات نفوذ كبير على الملاكمة، وعندما اضطر أخيراً أن يتعمد الخسارة في إحدى المنازلات إرضاءاً لهم ولكي يدبروا له أن يلاكم على حزام البطولة العالمي، انهار، وأخذ يبكي بحرقة لأنه تخلّى عن كونه “الزعيم” المسيطر، هذه النزعة ظهرت أيضاً في حياته الخاصة، حيث فرض هيمنته على زوجته في كل التفاصيل، بل وحتى على اختياراتها البسيطة في الطعام. لاموتا يؤمن أن الغضب والعنف هما وسيلته للسيطرة على الآخرين، ونجح لفترة في جعل الجميع يخشاه، لكن هذه السمات نفسها هي التي دمّرته في النهاية، ليبقى وحيداً وبائساً.

خاتمة

يُرسِّخ Raging Bull مكانته كأحد أعظم أفلام السينما الحديثة، بفضل إخراج سكورسيزي الذي صاغ صورة قاسية وصادقة، وأداء الممثلين وعلى رأسهم دي نيرو الذي تجاوز حدود التمثيل ليصبح تجسيدًا حيًا لصراع داخلي مرير، ومونتاج أعطى الفيلم إيقاعه المتوتر المحموم، إلى جانب التصوير بالأبيض والأسود الذي حمل قوة شعرية نادرة، وتصميم صوتي جعل كل لكمة تُحَسّ وكأنها تُوجَّه إلى المشاهد. كل هذه العناصر اجتمعت لتجعل الفيلم أكثر من حكاية عن ملاكم، بل دراسة عميقة عن الإنسان والنفس البشرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *