تزوج الابن الأكبر، ثم الذي يليه، ثم البنات، والأبوان الآن وحدهما في منزل كان يضج بالخطوات والصرخات وأبواب الثلاجة التي لا تغلق.
المنزل لم يتغير، الجدران نفسها، الأريكة ذاتها، رائحة البخور التي تتصاعد في الوقت نفسه كل يوم، لكن شيئاً تسرب من بين الجدران، أهي الحياة؟
الأم وحدها من يشعر بهذا الفراغ، الأب يقرأ الأخبار أو الرياضة كما اعتاد، يشرب قهوته، يغلق التلفاز في العاشرة، حياته لم تنقلب رأساً على عقب، أما الأم فكانت حياتها هي أصواتهم، صباحاتهم المزدحمة، وجباتهم التي تخطط لها، استفساراتهم التي لا تنتهي، الآن تطبخ لشخصين، وتنسى أحياناً فتكثر الكمية.
المنزل يتحول مع السنوات إلى ما يشبه المتحف، غرف الأبناء محفوظة كما تركوها، الستائر التي اختارتها الابنة لم تُبدل، مكتب الابن لا يزال يضم كتبه القديمة، تُفتح تلك الأبواب في المناسبات فقط: العيد، إجازة، زيارة مفاجئة من الأبناء.
وفي هذه الزيارات القصيرة، تجد الأم نفسها في دور المضيفة، تقدم القهوة والتمر، تجلس على الكرسي المقابل، تسأل: “عسى ما تعبكم الطريق؟”
الأبناء لا يقصدون الهجر، لكن دفء البيت الكبير الذي كان يجمعهم كل مساء، يتوزع الآن على أربعة بيوت، كل بيت له أطباقه، ومناسباته، وأسئلته.
هل كان لا بد أن ينتهي البيت هكذا؟ ربما لا، بعض العائلات تحتفظ بالبيت كحاضن، ليس للجسد بل للعلاقة، بعض الأمهات يغيّرن الغرف بعد زواج الأبناء، لا يتركنها شواهد على ما مضى، بعض الآباء لا يكتفون بقراءة الأخبار، بل يخططون لعشاء أسبوعي لا يقبلون فيه الاعتذار.
البيت الكبير لم يمت، لكن بعض البيوت تذبل ببطء، وبعضها…تبقيه العائلة حياً.
