كتابي "نغمات القهوة" متوفر للطلب، احصل على نسختك الآن!
كتابي نغمات القهوة

تقييم فيلم Groundhog Day: ماذا تفعل لو حُبِستَ في يومٍ لا ينتهي؟

ماذا تفعل لو سُجنت في يوم لا ينتهي؟

تخيل أن تستيقظ غدا، وتلاحظ أن يومك هو نفسه أمس. كل شيء كما كان أمس، كل كلمة تسمعها، كل شيء تراه، إنه نسخة من أمس بالضبط. تستيقظ اليوم الثالث، نفس الشيء! وهكذا إلى ما لا نهاية، ماذا تفعل؟

اليوم السرمدي

هذه حبكة هذا الفيلم الرائع Groundhog Day، قصة “فيل كونرز” مراسل الأخبار الذي يذهب لبلدة صغيرة في أمريكا ليغطي الحدث السنوي الشهير المسمى بنفس اسم الفيلم، أي “يوم الخلد”، وهذا التقليد الأمريكي القديم عبارة عن طقس شعبي يتنبأ فيه الناس بقدوم الربيع من خلال مراقبة خُلد كبير يخرج من جحره. إذا رأى ظلّه عاد إلى الداخل واستمر الشتاء، وإذا لم يره اعتبروا أن الربيع اقترب.

يذهب فيل ليغطي الحدث ويرجع، لكن في ثاني يوم، يستيقظ في نفس اليوم، يوم الخلد، يصحو السادسة صباحا على نفس الأغنية، ونفس الحوار في الإذاعة، يستغرب، يفتح النافذة، نفس منظر أمس! نفس السيارة ونفس الناس. يندهش، يذهب محتاراً إلى الحدث ليغطيه مرة أخرى، وهكذا دواليك.

يمر فيل بالمراحل المتوقعة: يندهش أولاً، ثم يقلق، ثم يستمتع، فبما أن نفس اليوم يتكرر مها فعل فهذا يعني أنه لا عواقب، أي أنه يستطيع أن يسرق المال ويغوي النساء، يقدر أن يأكل كل شيء طوال اليوم، لا يهتم بمستوى السكر في الدم ولا الكولسترول، يستطيع أن يفعل أي شيء لأن كل شيء يرجع كما كان غداً. لكن بعد الانغماس في هذا فإنه يسأم، لأن هذا قاده إلى الفراغ والملل الوجودي. وفي النهاية…يقرر أن يقتل نفسه. إنه الحل الوحيد. يركب فيل في سيارة، ويقود مسرعاً فيسقط من هاوية سحيقة، وتنفجر السيارة قاتلةً فيل الذي ارتاح أخيراً.

لكنه يصحو من جديد!

حتى الموت لا يخرجه من هذا اليوم! ينتحر مرة أخرة بالكهرباء، وثالثة بالقفز من أعلى مبنى، مهما فعل فإنه يستيقظ السادسة صباحا في نفس السرير ونفس اليوم.

التطور الإنساني عبر الأبدية

يدخل فيل في مرحلة اكتئاب عميق. إنه يدرك أن حياته بهذا الشكل لا معنى لها، كل إنجازاته وعلاقاته مؤقتة وممحوة مع كل شروق جديد. هنا، يصطدم الفيلم بفكرة الفيلسوف ألبير كامو في “أسطورة سيزيف”، حيث يصبح الإنسان سيزيف الذي يحمل صخرته إلى قمة الجبل كل يوم لتهوي مرة أخرى، وهو الرمز الأكبر للعبث. السؤال الذي يطرحه الفيلم هنا هو: إذا كانت الحياة عبثية، فما هو الرد الإنساني المشرِّف على هذا العبث؟

الإجابة التي يقدمها الفيلم هي نفس إجابة كامو: يجب أن نتخيل سيزيف سعيداً. التحول الجذري يبدأ عندما يقبل فيل واقعه لا كمشكلة لحلها، بل كمساحة للوجود. يتوقف عن التركيز على نفسه وينتقل إلى التركيز على العالم من حوله. يبدأ في تعلم العزف على البيانو، قراءة الشعر، نحت الثلج. لم يعد يفعل ذلك لإبهار الآخرين، بل لأن هذه الأنشطة تمنح حياته معنى.

الذروة الفلسفية للفيلم تأتي عندما يتحول هدف فيل من خدمة ذاته إلى خدمة الآخرين. إنه ينقذ الطفل الذي يسقط من الشجرة، يغير الإطار المثقوب لسيدة مسنة، ينقذ رجلاً من الاختناق. يفعل كل ذلك في صمت، دون توقع شكر أو مكافأة، لأن كل شيء سيعود إلى نقطة الصفر. هنا يصبح فعل الخير غاية في حد ذاته، وليس وسيلة لتحقيق منفعة. في علاقته مع “ريتا”، يتوقف عن محاولة لفت انتباهها بحيل يعرف تفاصيل يومها، ويبدأ في أن يكون الشخص الذي تستحقه: شخصاً طيباً، صادقاً، ومحباًّ. الحب هنا يتوقف عن كونه لعبة للفوز بها، ويصبح اختياراً وجودياً للارتباط والاهتمام الحقيقي.

غير هذا فإن الفيلم يحوي عدة أفكار فلسفية أخرى، منها:

التحول من اللذة إلى الفضيلة: يبدأ فيل رحلته كرجل أناني ساخط، ولما وجد نفسه في يومٍ يتكرّر بلا نهاية، اندفع أولاً إلى اللذة السريعة: أكل بشراهة، وسرق المال، وتلاعب بالناس، ثم اكتشف أن هذا الفراغ لا يملأ شيئا. هذه الفكرة قريبة من رؤية أرسطو للسعادة، فاللذة لا تبني حياة تستحق العيش، عكس الفضيلة، ومع تكرار اليوم أدرك فيل أن المعنى لا ينبعث من الشهوات، بل من تهذيب النفس، وتعلّم مهارات حقيقية، ومساعدة الآخرين، وبناء روابط صادقة.

الوجودية: يجد فيل نفسه في يومٍ يتكرر بلا تفسير ولا غاية معلنة، فيغرق أول الأمر في يأسٍ يُشبه صدمة الإنسان حين يواجه عبث العالم. وهنا يبرز جوهر الوجودية عند سارتر وكامو: الوجود يسبق الماهية. نحن نولد بلا معنى جاهز، وبلا دور مُعدّ سلفاً، ثم نصنع معنى وجودنا بأفعالنا وخياراتنا ومسؤوليتنا عن ذواتنا. لم يجد فيل دليلاً يرشده، ولا “طريقة هروب”، بل أعاد تشكيل نفسه عبر ما يفعله كل يوم، وبقراره حول الشخص الذي يريد أن يكونه.

الرواقية و”حبّ القدر”: لو أنك حبستُ في نفس اليوم لفعلت ما فعل فيل: في البداية ثار على مصيره، قاوم، حاول الهرب، اصطدم باليوم نفسه مراراً. لكن تحوّله الحقيقي بدأ حين توقّف عن الصراع وقبل قدره بالكامل. هذه لحظة رواقية خالصة: Amor Fati، أي حبّ المصير، شبيهة في ديننا بالرضا بالقضاء والقدر. كما قال ماركوس أوريليوس وشيشرون: ما لا تستطيع تغييره لا يستحق غضبك، وما تستطيع تغييره يبدأ من داخلك. عندما احتضن فيل واقعه بدلاً من مقاومته، صبّ جهده على الشيء الوحيد الممكن تغييره: نفسه. عندها بدأ ينمو، يتعلم، ويصنع معنى ليومٍ لا ينتهي.

دائرة السَّمسارا: الحلقة الزمنية التي علق فيها فيل هي استعارة قوية لدائرة السَّمسارا في البوذية: دورة لا تنتهي من حياة تتكرّر لأن الإنسان أسير رغباته، وتعلّقه، وأنماطه القديمة. فيل محبوس في اليوم نفسه لأن داخله ما يزال أسيرًا للأنا والغضب والأنانية. تحرره يأتي حين يكسر هذه الدائرة، لا بإشباع كل رغباته، بل بإطفاء ذاته الأنانية. يتعلم الرحمة، والتعاطف، والعيش في اللحظة دون تعلّق بالنتيجة. وينتهي اليوم فقط عندما يتوقف عن السعي وراء ريـتا بدافع الامتلاك، ويبدأ بالحب الخالص والخدمة الصادقة لكل من حوله. عندها فقط تنكسر الحلقة… لأن داخله تغيّر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *