كتابي "نغمات القهوة" متوفر للطلب، احصل على نسختك الآن!
كتابي نغمات القهوة

تقييم فيلم Seven: مواعظ دموية في مدينة فاسدة

سبعة ذنوب ومحققان

الفيلم يحكي قصة قاتل تسلسلي، له أسلوب لا مثيل له، فهو يقتل الضحايا بناء على ما اقترفوه من السبع الموبقات، أكبر 7 ذنوب في النصرانية، وهي الكِبْر، الطَّمَع، الشَّهوَة، الحَسَد، الشَّرَهُ، الغَضَب، الكَسَل. يختار رجلاً شديد البدانة فيقتله بطريقة متوحشة وهي أن يجبره تحت تهديد السلاح أن يأكل المكرونة بلا توقف حتى تنفجر معدته.ثم يترك دليلا صغيرا، يتبعه المحققان فيقودهما إلى ضحية أخرى قتلها القاتل لأن ذنبها هو الكِبر.

المحققان سمرسيت و ميلز هما “المبتليان” بمحاولة حل هذه الجرائم المريعة، ميلز شاب متحمس، أول مرة يمارس التحقيق في المدينة الكبيرة، يتفاءل أنه سيحل القضايا التي يُكلّف بها، أما سمرسيت فهو مخضرم قضى عشرات السنين كمحقق وفقد التفاؤل، يتعامل مع الحياة ببرود ممزوج بالتسليم، التسليم أن العنف هو الطاغي على الحياة، وأنه من السذاجة أن يعتقد أنه سيحل معظم قضاياه، بل ستُقيّد ضد مجهول وسيفر القاتل بفعلته، تاركاً سمرسيت بين الجثث الممزقة يتساءل عن مصير الإنسانية.  

نيويورك.. حيث يموت البشر قبل أن يُقتلوا

الفيلم لا يخبرنا أي مدينة تحصل فيها أحداثه، لكن هناك إيحاءات قوية أنها نيويورك. يتخلل المدينة غيوم سوداء من الكآبة الأخلاقية، بهذا أصف التعامل الاجتماعي بين الناس في المدينة المكتظة، الفظاظة بين الناس هي المعتاد، لا صبر ولا دبلوماسية ولا حسن خلق، كل شخص يتعاملون معه ستصيبهم نبال وقاحته وقلة صبره. مثلاً: رئيس الشرطة – مدير سمرسيت و ميلز – يقول لميلز “اخرس” لما حاول أن يبدي رأيه في جريمة قتل، ثم يطرده من الغرفة. ميلز يسأل شرطياً عن شيءٍ ما فيبدأ الشرطي يرفع صوته على ميلز، وسمرسيت يسأله فيما بعد “ما الفائدة من جدالك معه؟”. سمرسيت وميلز يجلسان في انتظار نتيجة مطابقة البصمة التي يعمل عليها الحاسب فيقول لهم المسؤول “إن هذه العملية تستغرق وقتا قد يصل إلى 3 أيام، انتظرا في الخارج”. وهكذا. لاحظت أن الفيلم يضيق صدري كلما شاهدت التعامل بين الناس فيه. ترى سمرسيت يضطجع لينام، صمت مطبق في غرفته إلا صوت عقرب الثواني، ثم تسمع الأصوات خارج شقته الآتية من الشارع، صراخ، وشخص يهدد آخر بأنه سيقتله. أضف هذا إلى جو الفيلم الحقيقي، الجو الممطر الضبابي الكئيب، وتجد أن المخرج ديفد فينشر صنع تحفة من الظلام. تريسي (زوجة ميلز) هي شعاع الشمس الوحيد الذي يشرق بالبهجة والابتسامة. لكن حتى هي لا تنجو من عتمة المدينة، فتخبر سمرسيت سراً أنها حامل وأن زوجها لا يدري، وأنها تفكر في الإجهاض لأنها لا تطيق فكرة أن تأتي بولد إلى هذا العالم الشرير، تبكي وتتألم باستمرار لأنها انتقلت إلى نيويورك لعمل زوجها ولا تطيق المدينة الكئيبة المشبّعة بالجريمة.

الرجل بلا اسم

لا نعرف اسمه. لا نعرف من أين أتى. لا نعرف كيف بدأ. في مدينة تفيض بالكلام، هو اللغز الوحيد الذي لا يُحل.

يظهر جون دو (كما تسميه الصحف لأنه لم يترك لها اسماً، وفي الإنجليزية “جون دو” يعني مثل “فلان” أو “مجهول”) شبح يمشي على الأرض. لا نراه إلا متأخراً، بعد أن قتل خمسة، وبعد أن ترك خيوطاً قادت المحققين إليه، أو بالأحرى قادتهم حيث أراد هو. طوال النصف الأول من الفيلم هو ليس شخصاً بل فكرة شريرة راقدة في ظل مدينة ميتة .

كل قاتل يسعى لأن يكون خفياً. لكن جون دو يريد شيئاً آخر: أن يُقرأ. مسارح جريمته ليست مجرد قتل، بل دروس. رجل بدين يجبر على الأكل حتى تنفجر معدته: هذا درس في الشراهة. محامٍ يُجبر على قطع وزن من لحم جسده: هذا درس في الطمع. عاهرة تُقتل بأداة شيطانية: هذا درس في الشهوة .

لكن الأغرب أن الضحايا ليسوا أبرياء تماماً. هم مذنبون فعلاً، لكن ذنبهم لا يستحق الموت. هنا يكمن التباس الشخصية: هل هو مجنون يقتل؟ أم نبي مقلوب يؤمن أن الرذيلة تستحق العقاب؟ حواره مع ميلز في قسم الشرطة يكشف أنه ليس مجرد قاتل متسلسل يقتفي أثر ضحاياه، بل قارئ للبشر. يقرأ عيوبهم، يقرأ المجتمع، يقرأ حتى المحققين اللذين يطاردانه. يقول لهم إن ما يفعله سيُدرّس إلى الأبد .

ثم يسلم نفسه. ببساطة. كأنه أنهى واجبه وجاء ليستلم جائزته. هذه اللحظة مزعجة في الفيلم. القاتل يقرر متى تنتهي اللعبة، لا الشرطة. الشرطة تعتقد أنها أمسكت به، لكنها في الحقيقة دخلت المرحلة الأخيرة من مسرحيته .

جون دو بلا ماضٍ. الفيلم لا يخبرنا من أين جاء، ولا كيف صار هكذا. هل كانت طفولته تعيسة؟ هل مر بصدمة؟ لا نعرف. ربما هذا هو سر عظمته كشرير: إنه شرير مجرد من الأسباب، لا نستطيع تفسيره ثم نغفر له. هو الشر نفسه، يلبس جسد إنسان عادي، يتكلم بهدوء، يشرح منطقه بتروٍ، ثم يفعل ما يفعل. هو أخطر لأن صوته لا يعلو، وعيناه لا تلمعان بجنون، بل بثقة من يؤمن أنه على حق . ترى الهدوء في كلامه واليقين في عينيه فيقشعر جسمك.

جون دو من أعظم الشخصيات الشريرة التي ظهرت في تاريخ السينما، إنه مخيف لأنه يجلس معنا في نفس الغرفة، ويأكل من نفس الطعام، ويقرأ نفس الكتب، ثم يخرج ليقتل. هو ليس وحشاً مشوهاً يحمل سكيناً، بل جارنا الهادئ الذي لا نعرف اسمه.

وفي النهاية، يفوز. لن أحرق النهاية، لكن جو دو ينتصر بطريقة مدهشة صادمة لا يتوقعها أحد، خاصة سمرسيت وميلز، وفعلاً سيُدرّس لأجيال.

لهذا نخاف منه. ليس لأنه يقتل، القتلة كثيرون في الأفلام، أكثرهم يُنسى، بل لأنه يخطط، وينتظر، ويتقن دوره. إنه فكرة. والأفكار لا تموت.

عندما تفشل المؤسسات، يظهر الوحوش

لنعد إلى المشهد الذي لا يلفت الانتباه غالباً: ميلز وسمرسيت في مختبر البصمات. الموظف يقول لهما: “تستغرق ثلاثة أيام، انتظرا في الخارج”. ليس في كلامه ترهيب، ولا تهديد، بل شيء أسوأ: لا مبالاة. هو لا يكرههما، ولا يتآمر عليهما، فقط لا يبالي. يؤدي عمله كما يؤدي أي موظف عمله: بالحد الأدنى.

هذه اللا مبالاة هي الوقود الذي يعمل به جون دو.

تأمل المؤسسات الأخرى في الفيلم. البنك الذي يعمل فيه أحد الضحايا (الطمع). نظام المحاكم الذي لم يحمِ ضحية الشهوة. المكتبة التي أصبحت ملاذ سمرسيت الأخير، لكنها عاجزة عن فعل أي شيء خارج جدرانها. المؤسسة الوحيدة التي تعمل بكفاءة هي التي يديرها القاتل بنفسه: مسرح جريمته.

جون دو يستغل هذا الفراغ. هو لا يحارب النظام، بل يتسلل من خلال ثغراته. يعرف أن الشرطة لن تبحث في مكتبة عامة. يعرف أن لا أحد سيتذكر الرجل البدين بعد شهر. يعرف أن لا أحد سيربط الجرائم ببعضها إلا إذا صنع هو الخيوط بنفسه ووضعها أمامهم. هو من يصنع النظام في مدينة بلا نظام.

سمرسيت يدرك هذا جيداً.يتجول في المكتبة، يقرأ عن الخطايا السبع، يحاول أن يفكر مثل القاتل. المؤسسة الرسمية (الشرطة) لا تساعده. زملاؤه لا يفهمون. النظام لا يدعمه. هو وحده، في صمت، يحاول أن يملأ الفراغ الذي تركه الآخرون.

حتى في النهاية، عندما يقبضون على جون دو، يأتي ليُسلّم نفسه. ليس لأنه هُزم، بل لأنه أكمل مهمته. النظام لم يوقفه، إنما أوصله إلى حيث يريد. المؤسسات التي يفترض أن تحمي المجتمع كانت مجرد أدوات في مسرحيته.

هذا هو جوهر الفيلم: ليس الشر مطلقاً، وليس الخير مطلقاً. بل هناك فراغ. فراغ تملأه إما المؤسسات بكفاءتها، أو يملؤه الوحوش بجرائمهم. وحين تفشل الأولى، يظهر الثاني.

معركة النظرات: سمرسيت وميلز

في مدينة لا تعمل، يبرز السؤال: كيف تتعامل مع الشر؟ سمرسيت وميلز يجيبان بطريقتين مختلفتين، وكلاهما يدفع الثمن.

سمرسيت يفتح الفيلم بجملة لن تنساها: “هذا المكان… إنه يشجع عليها”. يشجع على ماذا؟ على الجريمة. على القسوة. على اللامبالاة. هو لا يقول هذا عن قاتل معين، بل عن المدينة كلها. عن النظام الذي فشل. عن الناس الذين تعودوا. عن الشر الذي ينمو في الظل لأن أحداً لا يشعل الضوء.

هو مخضرم. قضى عقوداً بين الجثث والمجرمين والمحاكم الفاشلة. يعرف أن أكثر القضايا ستُقيد ضد مجهول. يعرف أن القاتل سيفر بفعلته في معظم الأحيان. يعرف أن العدالة لا تتحقق إلا قليلاً. هذا ليس تشاؤماً، بل خبرة. خبرة مؤلمة كسبها من سنوات طويلة قضاها في مواجهة أسوأ ما في البشر.

لذلك يتعامل مع الجرائم كألغاز. يحلل، يقرأ، يراقب، لكنه لا ينفعل. لا يغضب عندما يرفع شرطي صوته على ميلز. لا يتعجب عندما يقول موظف المختبر “انتظرا ثلاثة أيام”. لا يتدخل عندما يسمع تهديداً بالقتل من شقته. يكتفي بإغلاق عينيه والنوم.هل هذا درع يحمي به نفسه؟ أم استسلام لواقع لا يستطيع تغييره؟

ميلز عكس سمرسيت تماماً. شاب، متحمس، انتقل إلى المدينة الكبيرة لأنه يريد أن يصنع فرقاً. يؤمن أنه سيحل القضايا التي يُكلف بها. يؤمن أن العدالة ممكنة. يؤمن أن الشر يمكن هزيمته.

هذا الإيمان يظهر في كل تصرفاته. عندما يرفع الشرطي صوته عليه، يرفع صوته هو أيضاً. لا يقبل الوقاحة، لا يسكت على الفشل، لا يتقبل البيروقراطية. يريد النتائج الآن، يريد العدالة اليوم، يريد القبض على القاتل قبل أن يقتل التالي.

سمرسيت يسأله: “ما الفائدة من جدالك معه؟”. ميلز لا يفهم السؤال. كيف لا تجادل من يرفع صوته عليك؟ كيف لا تقاوم من يظلمك؟

هذه ليست سذاجة فقط. إنها شجاعة. شجاعة رجل يرفض أن يتقبل العالم كما هو، بل يريد أن يغيره. لكنها في هذه المدينة بالذات، تصبح سذاجة. لأن المدينة أكبر منه. لأن النظام أفسد من أن يصلحه شرطي واحد. لأن الناس تعودوا على الفظاظة لدرجة أنهم لا يرونها حتى.

ميلز هو الضحية المثالية، لأنه رفض أن يلعب بقواعد المدينة. رفض أن يسكت. رفض أن يتقبل. رفض أن يغمض عينيه عندما يسمع الصراخ في الشارع. هذه الصفات التي تجعله إنساناً محترماً، هي نفسها التي تجعله هدفاً في مدينة لا تحترم الإنسان.

المفارقة أن كلاً من سمرسيت وميلز محق بطريقته. سمرسيت محق في أن المدينة لا تتغير، وأن التفاعل مع كل جريمة سيحرقك، وأن البقاء على قيد الحياة يتطلب بعض الانفصال. ميلز محق في أن السكوت عن الظلم هو مشاركة فيه، وأن العدالة تستحق القتال، وأن الاستسلام للمدينة يعني أن المدينة انتصرت.

الفيلم لا يحسم من كان على صواب. بل يتركهما معاً في رحلة لا يعرف المشاهد أين تنتهي. سمرسيت الذي قضى حياته منفصلاً، يجد نفسه مضطراً لحماية زميله الذي لا يشبهه. ميلز الذي قضى الفيلم متحمساً، يبدأ يوماً بعد يوم يفهم لماذا سمرسيت أصبح كما هو.

ربما هذا هو الجواب الوحيد: لا صواب مطلق. المدينة تتعب الجميع، لكن طريقة إنهاكك هي التي تختلف.

خاتمة

فيلم لا يُشبه غيره. المخرج العبقري ديفد فينشر يصنع عالماً من الظلال والكآبة، ثم يتركك فيه تتخبط بين جثث جون دو وجنونه الإجرامي. لا نهاية سعيدة، لا عدالة، لا أمل. فقط مدينة تأكل سكانها، ومحققان يدفعان ثمن إيمان أحدهما وانعزال الآخر. سبعة ليس فيلم جريمة، بل تأمل في شر لا يُفسر ولا يُغتفر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *