كتابي "نغمات القهوة" متوفر للطلب، احصل على نسختك الآن!
كتابي نغمات القهوة

الحياة السرية لغرف الفنادق

لو باحت غرف الفنادق بأسرارها، ما كانت ستقول؟

تخيّل أنك تستأجر غرفةً في فندق قديم. تفتح الباب، تدفع حقيبتك على السرير، تئنّ ألواحه. تجلس على الكرسي، يصدر صريراً كأنه شكوى. أنت وحدك الآن، لكنك لست وحدك أبداً.

لأن الجدران هنا مليئة بالثقوب. ليست ثقوب المسامير، بل ثقوب الذاكرة. آلاف الأرواح تركت بصماتها على هذا المكان. لو أن الغرفة تتكلم، لو أن الجدران تبثّ ما سمعت، لو أن الأثاث يروي ما رأى… ماذا كان سيحدث؟

ربما تبدأ الحكاية من ذاك السرير. سريرك الذي تنام عليه الليلة، هو نفسه الذي شهد قبل عشرين عاماً طفلةً صغيرة قفزت عليه فرحاً. كانت تمسك ببالون وتصرخ: “أبي، انظر! أنا أطير!” وفي اليوم التالي، غادرت تاركةً وراءها بالوناً منكمشاً تحت الخزانة. بعد أسبوع، نام عليه رجل في الخمسين، بكى طوال الليل ثم علّق نفسه في الحمـّام، في نفس الحمـّام الذي استحممت فيه هذا الصباح.

والمرآة على الحائط. كم وجه رأت؟ كم عروس تسرّح شعرها أمامها، تبتسم ابتسامةً لا تُفارقها حتى الصباح؟ وكم امرأة مسنّة وقفت تنظر إلى تجاعيدها، تلمس وجهها وتسأل: “أين ذهبتِ يا فتاة؟” وكم رجلاً حلق ذقنه استعداداً لمقابلة عمل غيّرت حياته، أو لموعد غرامي لم يأتِ صاحبه أبداً. المرآة تشهد ولا ترفّ لها عين.

ثم النافذة. يا له من منظر! لو تستطيع النوافذ أن تروي، لقصّت قصصاً لا تُحصى. تلك النافذة المطلة على الشارع الرئيسي، وقف خلفها مليونير يشرب وينظر إلى الفقراء. وتلك النافذة الخلفية المطلة على الزقاق، وقف خلفها عاشق ينتظر حبيبته التي لا تأتي. وتلك النافذة التي لا تفتح، أراد محاول انتحار فتحها، فلم تفتح. أنقذته. هي بطلة لم يعرفها أحد.

المصباح بجانب السرير، كم قرأوا تحت ضوئه! قصص حب، روايات بوليسية، كتب فلسفية ثقيلة، وأخبار الألم في الجرائد اليومية. تحت هذا المصباح نفسه، كتب رجل رسالة وداع لزوجته قبل أن يغادرها. وتحت المصباح نفسه، كتب طالب رسالة قبول للجامعة. المصباح يرى ولا يضيء إلا الحقيقة.

والسجاد، ذلك البساط العتيق. كل بقعة فيه قصة. بقعة حمراء داكنة، هي من خمر سكبتها امرأة بعد أن تركها حبيبها. بقعة بنية، من قهوة مسكوبة في صباح مشمس. بقعة لا تُمحى، من دم امرأة ولدت طفلها قبل أن يصل الإسعاف. نعم، وُلد أطفال في هذه الغرفة، ومات آخرون. الحياة تبدأ وتنتهي على نفس السجادة، والسجادة تمتص الجميع بصمت.

هذه الغرفة، التي تنام فيها الليلة، احتضنت أكثر من ألف حياة. أبرياء ومجرمين، أغنياء وفقراء، عشاق وأعداء. كلهم ناموا على نفس الوسادة. كلهم فكروا في نفس اللحظات. الخوف من المستقبل، الحنين إلى الماضي، الألم في الحاضر. مشاعرهم اختلطت في الهواء.

وأنت الآن، أيها القارئ، تتنفس هذا الهواء. تستنشق أنفاس من سبقوك. دموعهم التي سقطت على الأرض تبخّرت، ثم تكثّفت على النافذة. ضحكاتهم التي ملأت المكان ما تزال تتردّد بين الجدران.

غرف الفنادق مخلوقات حية. تتنفس مع نزلائها، تنقبض مع وحدتهم، تتسع مع فرحهم. ليست مجرد جدران وأثاث. هي كائنات تحمل ذاكرة الجنس البشري كله. كل غرابة، كل وحشة، كل بهجة، كل خيبة.

لأن البشر حين يدخلون الغرفة، يخلعون أقنعتهم. لا أحد يرتدي قناعاً وهو وحيد. هنا، في هذه العزلة القسرية، يصبح الإنسان على حقيقته. قاسياً مع نفسه، ضعيفاً، خائفاً، طفولياً. الغرفة ترى كل هذا ولا ترفضه. الغرفة تحتضن الضعف كما تحتضن القوة.

هذا هو سر غرف الفنادق. ليست مجرد مكان للنوم، بل مكان للكشف. تكشف الإنسان لنفسه. تكشف له أنه وحيد، حتى لو كان مع عائلته. تكشف له أن أحلامه أكبر منه، وأن خوفه أعمق منه. تكشف له أن الحياة كلها مجرد إقامة قصيرة في فندق طويل، وأننا جميعاً سنغادر ذات يوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *