كتابي "نغمات القهوة" متوفر للطلب، احصل على نسختك الآن!
كتابي نغمات القهوة
(رحلة شاملة في عالم القهوة، من تاريخها وفوائدها إلى ثقافاتها وأسرارها، لعشاق القهوة الباحثين عن المعرفة)

عندما لا نعلم أنها آخر مرة

في زحام الأيام تمرّ بنا لحظات كثيرة لا نلتفت إليها، مع أنها كانت آخر مرة فعلنا فيها شيئًا أحببناه، أو اعتدنا عليه، أو ظننا أنه سيبقى كما هو. نودّع أشياءً كثيرة بصمت، ثم لا ندرك قيمة ذلك الوداع إلا بعد أن يصبح ذكرى.

إنها لحظة الوداع الصامت، تلك اللحظة التي تغادرنا فيها الأشياء بهدوء، دون أن تترك لنا فرصة أن نعطي اللحظة حقها.

كم من مرة حملنا طفلنا بين أيدينا للمرة الأخيرة دون أن نعلم أنه بعدها سيمشي ولن يحتاج أن نحمله؟ وكم من مرة أغلقنا باب البيت القديم للمرة الأخيرة تاركين خلفنا ضحكاتٍ عاشت في الجدران وخطواتٍ ألفت الممرات؟ وكم من مرة جلسنا مع صديق ولم ندرِ أن ذلك اللقاء سيكون آخر ما يجمعنا قبل أن تفرقنا المسافات أو تغيّرنا الأيام؟ وكم من مرة استمعنا إلى صوتٍ مألوف للمرة الأخيرة، أو مررنا في شارعٍ أحببناه للمرة الأخيرة، أو شربنا قهوة في مكان اعتدنا عليه قبل أن يغدو مجرد ذكرى؟

أو ربما تكون المرة الأخيرة أهدأ مما نتوقع، فلا موسيقى ترافقها، ولا وداع معلنًا، ولا دموعًا واضحة. قد تكون في إغلاق حقيبة سفر، أو في تنظيف مكتب غادرناه، أو في لمس جدار بيتٍ كنا نظن أننا سنعود إليه دومًا، أو في نظرة أخيرة إلى وجهٍ عزيز قبل الرحيل.

لكن إدراك هذه الحقيقة لا ينبغي أن يقودنا إلى الحزن، بل إلى الوعي. حين ننتبه إلى أن كل لحظة قد تكون فريدة، نصير أكثر حضورًا، أكثر امتنانًا، أكثر صدقًا مع ما نعيشه. نبدأ في الإصغاء بعمق، نقول كلماتنا كما ينبغي، نمنح الأشياء البسيطة حقها من التقدير.

فلسفة “المرة الأخيرة” لا تدعونا إلى الخوف من الفقد، بل إلى حسن العيش قبل الفقد. تدعونا إلى أن نحبّ الآن، ونقدّر الآن، ونلتفت إلى التفاصيل الصغيرة التي تصنع معنى الحياة، لأن كثيرًا مما نؤجله اليوم…قد لا يعود غدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *