يجلس في مكتبتي كتاب اسمه The Shock Doctrine (عقيدة الصدمة)، اشتريته منذ بضعة سنوات لكن لم أجرؤ أن أقرأه، لأني أعرف أن محتواه…شنيع.
الآن أعتقد أنه آن الأوان أن أقرأه وأن أنقله لكم، لأن محتواه رغم بشاعته فائق الأهمية، ويكشف لنا عن مخططات تراد بنا (نحن شعوب العالم) تُرسَم في الخفاء وتُنفَّذ خلف الكواليس، وعندما يطبقونها فإننا لا ندري أنها مخطط لها وتبدو في الظاهر مجرد أحداث. سألخص كل جزء في المقالات التالية، واليوم ألخص لكم الجزء الأول.
تفتتح نعومي كلاين كتابها المزلزل برحلة استكشافية إلى أعمق وأظلم زوايا التاريخ النفسي والسياسي، كاشفة عن الجذور المروعة لما تسميه استراتيجية استغلال الأزمات لإعادة التشكيل الجذري للمجتمعات. الفصل الأول، المعنون ببراعة ودقة “مختبر التعذيب” هو كشفٌ صادم عن الأسس النفسية لهذه العقيدة. هنا في أروقة معهد ألان التذكاري بجامعة ماكغيل في مونتريال، تحت إشراف الدكتور إيوان كاميرون، بدأت تتشكل أساليب تفكيك العقل البشري عبر صدمات نفسية وجسدية قصوى، تاركة وراءها ندوباً لا تُمحى.
تجارب كاميرون حظيت بتمويل سري ومكثف من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ضمن مشروع إم كي ألترا (MKUltra)، وتهدف إلى تحقيق ما أسماه “محو النمط” (de-patterning). لم يكن الهدف علاج المرضى، بل محو شخصياتهم بالكامل، وتدمير ذواتهم الأساسية. الناس الذين غالباً ما كانوا يعانون من اكتئاب خفيف أو قلق خضعوا لبرامج مكثفة من “القيادة النفسية” (psychic driving) حيث كانوا يُجبرون على الاستماع إلى رسائل مسجلة، غالباً عبارات سلبية أو إيجابية متكررة، لساعات طويلة تصل أحياناً إلى ستة عشر ساعة يومياً، لأسابيع متواصلة، لإعادة برمجة أفكارهم ومعتقداته، وتغيير مسار أدمغتهم. ترافق ذلك مع جرعات هائلة من المخدرات المهلوسة مثل إل إس دي (LSD) والمهدئات القوية، وصدمات كهربائية تجاوزت بكثير الحدود العلاجية المقبولة، حيث كانت تُعطى للمرضى صدمات متعددة يومياً، مما كان يسبب لهم نوبات تشنجية عنيفة وفقداناً للذاكرة. وكان الحرمان الحسي قاسياً، حيث كان المرضى يُعزلون في غرف مظلمة وصامتة تماماً، أو يُجبرون على ارتداء أجهزة تحجب الرؤية والسمع، مما يزيد من ارتباكهم ويسرع عملية تفكيك شخصياتهم.
تذكر كلاين قصصاً مروعة لضحايا هذه التجارب، مثل غيل كاستنر، التي دخلت المعهد لعلاج اكتئاب ما بعد الولادة وخرجت منه فاقدة للذاكرة، غير قادرة على التعرف على أطفالها أو زوجها. لقد دُمرت حياتها، ومُحيت هويتها، وتحولت إلى شبح لذاتها السابقة. لم يكن كاميرون يسعى إلى الشفاء، بل إلى التدمير لإعادة البناء. كان يعتقد أنه يستطيع، بعد محو الذات القديمة، أن يزرع شخصية جديدة، أكثر طاعة وامتثالاً، في العقل الفارغ الذي خلقه. كانت هذه التجارب محاولة للسيطرة المطلقة على الوعي البشري وتحويل الإنسان إلى آلة قابلة للبرمجة.
لم تكن وكالة المخابرات المركزية مهتمة بالصحة العقلية للمرضى، بل بالتقنيات التي يمكن أن تُستخدم في الاستجواب والسيطرة على العقول. وجدت الوكالة في أساليب كاميرون وخاصة “محو النمط” إمكانات هائلة لتطوير أساليب استجواب قسرية. يربط الفصل بين تجارب كاميرون وكتيب “كوبارك” (KUBARK) للاستجواب، وهو دليل سري لوكالة المخابرات المركزية يعود تاريخه إلى عام 1963، والذي يصف تقنيات “الاستجواب القسري”، بما في ذلك الحرمان الحسي، والتعريض للضوضاء المتكررة، والتلاعب بالبيئة. هذه التقنيات، التي كانت تُمارس في مختبر كاميرون، وجدت طريقها إلى أدلة الاستجواب العسكرية والاستخباراتية، مما يوضح كيف تحولت الأبحاث النفسية المضللة إلى أدوات للتعذيب والسيطرة.
هذه الممارسات المروعة في “مختبر التعذيب” لا تروي قصة فردية فحسب، بل تقدم استعارة قوية لفهم “عقيدة الصدمة” على نطاق أوسع، فالصدمة النفسية التي تعرض لها الناس في مختبر كاميرون (التفكيك المنهجي لذواتهم) تعكس تماماً “الصدمات” المجتمعية التي تتناولها كلاين في كتابها. هذه الصدمات الكبرى، وهي الحروب والانقلابات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية، تُحدث فوضى عارمة وتُلقي بالمجتمعات في حالة من الارتباك والضعف الشديد. في هذه اللحظات الحرجة، عندما يكون الناس مشوشين وغير قادرين على المقاومة، تُفرض سياسات اقتصادية واجتماعية جذرية، غالباً ما تكون ليبرالية جديدة متطرفة، لم يكن ليُقبل بها في الظروف العادية.
إن الثورة التي يسعى إليها دعاة عقيدة الصدمة لا تأتي عبر الإقناع أو الديمقراطية، بل عبر استغلال الفوضى. تُفكك الخدمات العامة، وتُخصخص الصناعات الحيوية، وتُطبق إصلاحات سوقية قاسية، كل ذلك تحت ستار الضرورة الملحة التي تفرضها الأزمة. إنها عملية يتم فيها تدمير القديم (سواء كان وعياً فردياً أو نظاماً اجتماعياً) لإفساح المجال لجديد يُفرض قسراً. الموت للوضع الراهن، الثورة لنظام جديد، هذه هي الدورة التي تكشفها كلاين، مستخدمة تجارب كاميرون كنموذج مصغر لكيفية عمل هذه العقيدة على المسرح العالمي. يوضح الفصل كيف أن الضغط الشديد يمكن أن يُستخدم لإعادة تشكيل الواقع، ليس فقط للفرد، بل للمجتمعات بأكملها، مما يمهد الطريق لحجة كلاين الأوسع حول التطبيق العالمي لعقيدة الصدمة، ويترك القارئ أمام حقيقة أن الصدمة ليست مجرد حدث عابر، بل هي أداة قوية في أيدي من يسعون إلى إعادة تشكيل العالم وفقاً لمصالحهم.
