“وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ”.
آية شهيرة لكن الكثير لا ينتبه لتحذيرها من تصديق الشعراء قائلي الباطل، وبينما معروف أن الشعر يخالطه مبالغة فإنه يتحول إلى كذب صريح في الهجاء، فإذا أبغض الشاعر شخصاً فالويل له، والشاعر كان صحيفة ومذياعاً وقناة تلفازية وسوشل ميديا في الوقت نفسه، كان القوة الإعلامية التي لا مثيل لها، ينتقل عبر المكان والزمان بسرعة وبدقة مدهشة، نحفظ اليوم كل حرف من قصائد قيلت قبل 1500 سنة، وهذا رائع لأن الشعر إرث ثقافي لا يُقدّر بثمن، لكنه مؤسف إذا كان في الشعر ما يشين، وخذ المتنبي مثالاً.
إنه عبقري، من أعظم الشعراء، أشهر الأبيات الحكيمة التي ترددها ستجد أن أغلبها هو قائلها، مثل: ذو العقل يشقى في النّعيم بعقله، على قدر أهل العزم تأتي العزائم، وخير جليس في الزّمان كتاب، ومن يهن يسهل الهوان عليه، إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، والكثير غيرها. لكن بقدر ما كان مبدعاً كان ظالماً، وقصته مع كافور الإخشيدي برهان.
كافور رجل حبشي كان عبداً أمياً، وهو مشقوق الشفة مما أساء إلى مظهره، وفي قدميه تشويه أثّر على مشيته، واجه عُسراً وألماً في عبوديته، دارت به المقادير حتى صارت عجباً، فتعلم الكتابة وأُعتِق ثم صار جندياً فقائد كتيبة فحاكم الدولة. وبينما الكثير من المضطهدين يتحولون إلى وحوش، فإن كافور قهر هذه النزعة، وصار حاكماً عادلاً حكيماً، يصفه ابن كثير فيقول إنه كان شهمًا، شجاعًا، ذكيًّا، جيِّدَ السيرة، مدَحَه الشعراء.
وممن مدحه المتنبي لما سافر إلى كافور طامعاً في منصب، لكن كافور عرف أنه غير صالح لمسؤولية كهذه، فالمتنبي براعته في الشعر، ولا يملك مقوّمات الإدارة والسلطة، إلا أنه أكرمه ولاطفه، فلما يئس المتنبي غادر مسافراً وهجا كافور بأقبح أبيات كاذبة مثل “لا تشترِ العبد إلا والعصا معه .. إن العبيد لأنجاس مناكيد”، يسخر فيها من عبوديته وشكله وهي ابتلاءات لا يد لكافور فيها، ومن مآسي التاريخ أن هذا الحاكم الطيب الشجاع العادل صار أكثر ما يتذكر الناس عنه أبيات الهجاء، لا أنه كان عبداً مشوهاً قهر كل الصعوبات وصار قصة نجاح مدهشة، وسيظل أناس – رغم كذب المتنبي – يتذكرون كافور العظيم وسيرته العطرة.
