في القرآن، حين تُروى قصة يوسف عليه السلام، لا يُذكر حاكم مصر بلقب فرعون. بل يُسمّى ببساطة: الملك. لماذا؟
قد يبدو الفرق صغيراً، لكنه فتح باباً واسعاً للتساؤل. من كان هذا الملك الذي رأى الحلم الغريب الذي غيّر مصير مصر؟
قبل أكثر من 3500 عام، استيقظ ملك مصر مضطرباً من رؤيا حيّرت عقله: {إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات}. جمع حكماءه وكهنته، لكن أحداً لم يستطع تفسيرها. وبينما عجزت عقول البلاط، تذكّر الساقي شاباً عبرانياً يقبع في السجن، عُرف بقدرته على تأويل الأحلام. هكذا خرج يوسف من ظلمة السجن إلى قصر الحكم.
لكن خلف هذه القصة سؤال تاريخي مثير. لماذا يستخدم القرآن لقب “الملك” في قصة يوسف، بينما يستخدم لقب “فرعون” عندما يتحدث عن زمن موسى؟ بعض الباحثين يرون أن الجواب قد يكمن في فترة فريدة من تاريخ مصر، فترة لم يكن الفراعنة فيها هم من يحكم البلاد.
في القرن السابع عشر قبل الميلاد، كانت مصر تمر بمرحلة ضعف سياسي وتفكك في السلطة المركزية. خلال تلك الفترة صعد إلى الحكم قوم أطلق عليهم المصريون اسم حقاو خاسوت، أي “حكام الأراضي الأجنبية”. لاحقاً حرّف الإغريق الاسم إلى “الهكسوس”. لم يكونوا مصريين في الأصل، بل شعوباً جاءت من المشرق، من مناطق الشام وما حولها، واستقرت تدريجياً في شرق دلتا النيل حتى تمكنت من السيطرة على الحكم.
حوالي سنة 1650 قبل الميلاد أسَّس هؤلاء الحكام الأسرة الخامسة عشرة، واتخذوا من مدينة أفاريس، التي تعرف اليوم بتل الضبعة، عاصمة لهم. تكشف الآثار أن بعض ملوكهم حملوا أسماء ذات جذور سامية مثل خيان وأبوفيس وخامودي، كما عبدوا آلهة معروفة في بلاد الشام مثل بعل وعناة. لذلك يرى عدد من المؤرخين أن هؤلاء الحكام الساميون (العرب والعبرانيون كلاهما ينحدر من الساميين) كانوا أقرب ثقافياً ولغوياً إلى شعوب المشرق منهم إلى المصريين القدماء.
هذا السياق التاريخي يجعل قصة يوسف تبدو أكثر قابلية للفهم. وجود شاب أجنبي في البلاط، وصعوده السريع إلى منصب رفيع، واستقرار أسرته لاحقاً في مصر، كلها أمور قد تكون أسهل حدوثاً في ظل حكم ملوك ذوي أصول عربية قريبة من العبرانية من ناحية اللغة والملامح، لا في ظل سلطة فرعونية مغلقة.
ومهما يكن الجواب النهائي، فإن تلك الفترة انتهت نهاية درامية. ففي جنوب مصر بدأت حركة مقاومة ضد حكم الهكسوس بدأها المصريون. بدأها سقنن رع، ثم واصلها ابنه كامس، حتى جاء أحمس الأول الذي تمكن حوالي سنة 1550 قبل الميلاد من طرد آخر ملوك الهكسوس من مصر. ومع ذلك الانتصار بدأ عصر الدولة الحديثة، عصر الفراعنة الأقوياء الذين سيظهر في زمنهم موسى عليه السلام.
لكن قصة يوسف بقيت، محفوظة في القرآن وفي الذاكرة الدينية والتاريخية. وبقي معها ذلك التفصيل الصغير اللافت: في زمن يوسف كان حاكم مصر يُدعى ملكاً، لا فرعوناً. تفصيل لغوي بسيط، لكنه يفتح نافذة واسعة على حقبة مضطربة من تاريخ مصر، حيث التقى حلم ملكٍ غامض بحكمة نبيٍ في السجن، فغيّر مجرى الأحداث لسنوات طويلة قادمة.
