كتابي "نغمات القهوة" متوفر للطلب، احصل على نسختك الآن!
كتابي نغمات القهوة
(رحلة شاملة في عالم القهوة، من تاريخها وفوائدها إلى ثقافاتها وأسرارها، لعشاق القهوة الباحثين عن المعرفة)

99 حياة مختلفة لك، أيها ستختار؟

تخيّلْ، زرّ واحد، وانفتحت أمامك آلاف الحيوات المحتملة لك!

ذلك اليوم في 2019، رنّ هاتفك، عرضٌ للعمل في دبي، راتبٌ ضعف ما تتقاضاه، لكنّك رفضت، “أمي مريضة”، “أصدقائي هنا”، “الاستقرار أهمّ”، أعذارٌ لاصقة بالحال، والآن، وبعد خمس سنوات، تستيقظ في نفس الشقة، نفس المكتب، نفس الكرسي. لكن ماذا لو؟

ما كان سيحدث لو أنّك قلتَ: “نعم”؟

هنا يدخل الذكاء الاصطناعي كمُحاكٍ عجيب، تُعطيه بياناتك: عمرك، مزاجك، خوفك من الطيران، علاقتك بالمال، طريقة نومك حين تضغط، فيُخرج لك مشاهد، ليستَ تنبؤات، بل احتمالات قريبة جدا من الحقيقة.

المشهد الأول: النسخة الثرية الوحيدة: تستيقظ في الطابق الخمسين، زجاجٌ يطلّ على الخليج العربي، سيارتك مركونة في المواقف المُكيّفة، وفي جيبك مفاتيح لعدة أشياء جميلة، الذكاء الاصطناعي يُريك تفاصيل لا تخطر ببالك: كيف التقيتَ بشريكك في حفلٍ للشركات الناشئة، كيف أصبحتَ مديراً بعد عامين، كيف اشتريتَ شقةً لأمك لكنّها الآن تطلّ على البحر بدلاً من الشارع المزدحم.

لكنّه يُريك أيضاً: كيف انفصلتَ عن خطيبتك لأنّ البُعد قتَلَ ما بينكما، كيف أصبح صديقك المقرّب مجرد رقمٍ في قائمة “آخر ظهور”، كيف تجلسُ الآن، في تلك الشقة الزجاجية، تتأمّلُ الأفق وتتساءل: “هل هذا كلّ شيء؟”

المشهد الثاني: النسخة المُفلِسة المتزوّجة: تعملُ في نفس الشركة، تترقّى، لكنّك تُصابُ بانهيارٍ عصبيٍّ في الشهر الثامن، تستقيل، تبحثُ عن عملٍ آخر في مدينةٍ لا تعرفُ أحداً، تلتقي بها في مقهى: امرأةٌ تقرأ كتاباً تحبه أنت، تتناقشان، تتزوّجان بعد ستة أشهر.

الذكاء الاصطناعي يُريك شقتكما الصغيرة في الديرة، سريرٌ على الأرض، طفلٌ يبكي في الثالثة صباحاً، لكنّه يُريك أيضاً ضحكاتكما حين يسقطُ الحليب على السجادة، يدها في يدك وأنتما تمشيان على الكورنيش، شيءٌ ما يشبه السلام.

ثمّ يُريك الطلاق، بعد ثلاث سنوات، لأنّ الضغوط المالية فاقتَ ما بينكما.

المشهد الثالث: النسخة العائدة: تقبلُ العرض، تكرهُ دبي، تشتاقُ إلى رائحة مطبخ أمك، تستقيل بعد ستة أشهر، تعود، تجدُ أنّ وظيفتك القديمة احتلّها غيرك، تبدأُ من الصفر، في شركةٍ أصغر، راتبٌ أقلّ.

لكنّك تلتقي بهناك: شخصٌ لم تكن لتلتقيه لو بقيتَ في دبي، يُصبح صديقك، ثم شريكك، تفتحان مشروعاً صغيراً بعد عامين، يفشل، تُعيدان المحاولة، ينجح.

الذكاء الاصطناعي يُريك صورتكما في الجريدة: “أصحاب شركة ناشئة يُغيّرون وجه الحيّ”، تبتسم، ثمّ يُريك نفسك في ليلةٍ من ليالي 2019، تُقلّبُ الهاتف وتتردّد، كادتَ أن تقول “نعم”، لكنّك قلتَ “لا”.

***

هل سمعت بتأثير الفراشة من قبل؟ إنها نظرية تقول إن رفرفة جناح فراشة صغيرة في البرازيل يمكن أن تُسبّب إعصارًا مدويًا في تكساس. هذا جوهر الفكرة، الظاهرة الساحرة في علم الفوضى التي تكشف كيف يمكن لتغييرٍ صغيرٍ جدًا في الظروف الأولية أن يؤدي إلى نتائج هائلة وغير متوقعة في الأنظمة المعقدة. اكتشف عالم الرياضيات والأرصاد إدوارد لورنز هذا التأثير في ستينات القرن الماضي أثناء نمذجة الطقس على الحاسوب. عندما أعاد تشغيل تجربة بتغيير طفيف في قيمة أولية (مثل 0.506 بدلاً من 0.506127)، تحول التنبؤ من هدوء إلى عاصفة! يُظهر ذلك حساسية الأنظمة للشروط الابتدائية، حيث تتضخّم التغييرات الصغيرة تدريجيًا.

مثلاً، في نموذج الطقس، رفرفة جناح فراشة في مكان ما قد تغيّر تيّار هواء دقيقًا، الذي يتفاعل مع رياح أخرى ليُولّد سلسلة من الاضطرابات تنمو إلى إعصار بعيد. هذا يفسّر لماذا يصعب التنبؤ بالطقس بدقة طويلة الأمد، فالأنظمة الجوّية مترابطة بشكل معقّد.

أزعجت صديقك صباحًا بكلمة قاسية، فينقل غضبه إلى مديره في العمل، الذي يؤثّر بدوره على قرارات الشركة، مما يُعرّض صفقة تجارية ويؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي.

مجاملة بسيطة لشخص مكتئب قد تعيد تشكيل يومه، فيدفعه لمساعدة آخرين، مُشعّلًا سلسلة من الأعمال الطيّبة تنتشر في المجتمع كالنار في الهشيم.

يتأخر عامل صيانة دقائق قليلة عن فحص روتيني لآلة صناعية، فيمرّ خلل صغير دون ملاحظة. مع مرور الوقت، يتفاقم الخلل تدريجيًا حتى يتسبب في تعطّل مفاجئ يوقف خط إنتاج كامل، ما يؤدي إلى تأخير شحنات دولية وخسائر اقتصادية متسلسلة.

ينشر شاب فكرة عابرة في تعليق على الإنترنت لا يلفت الانتباه في البداية. لكن أحد القرّاء يلتقطها بعد 6 سنوات بالمصادفة ويطوّرها إلى مشروع مبتكر، يتحوّل لاحقًا إلى تقنية تغيّر حياة الناس في مجالات متعددة.

هذا تأثير الفراشة، لكنّ الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يرسم به سيناريوهات كاملة محتملة لك، يقول لك: “لو قبلتَ العرض، كنتَ ستلتقي فلاناً في المصعد، ستتأخّر عن موعدٍ، ستجدُ وظيفةً أخرى بالصدفة، ستتزوّج، ستنفصل، ستعود”.

ليسَ حدثاً واحداً، بل شجرة تتشعّب، كلّ غصنٍ نسخةٌ منك، واحدٌ ثريٌّ وحيد، واحدٌ مُفلِسٌ متزوّج، واحدٌ عادَ إلى مسقط رأسه نادماً، واحد انضم إلى جمعية خيرية تساعد المنكوبين من الفيضانات في قرى باكستان، واحد انضم إلى منظمة عنصرية متطرفة، واحدٌ أصبح طبيبًا ينقذ الأرواح، واحدٌ سُجن بسبب قرارٍ متهوّر، واحدٌ سافر فاغترب ولم يعد، واحدٌ بقي قريبًا من عائلته فعاش حياةً بسيطة مطمئنّة، واحدٌ اشتهر فجأة ثم اختفى، واحدٌ عاش مجهولًا لكنه كان سببًا في تغيير حياة العشرات، واحدٌ خسر كل شيء ثم بدأ من جديد، واحدٌ لم يجرؤ على البدء أصلًا، واحدٌ صادف حبّه الأوّل وتزوّجه، واحدٌ أضاعه إلى الأبد، واحدٌ أصبح قائدًا يُتّبع، واحدٌ صار تابعًا لا يُسمَع صوته، واحدٌ وجد معنىً عميقًا لحياته، واحدٌ ظلّ يبحث دون أن يصل.

والأجمل أنّك تراها كلّها، تتنقّل بينها كأنّك تُقلّب قنوات التلفاز، “هذا أنا لو، ، ، “

 لكن احذر! العقل البشريُّ عدوُّ الرضا، قيل: “الندم على الفائت يقتل الحاضر”، والآن بفضل الذكاء الاصطناعي أصبح لدينا أدواتُ ندمٍ فائقة، تستطيع أن تتأمّلَ حيواتٍ لم تَعِشْها، تبكي على أطفالٍ لم تُنجبهم، تغتاظُ من نجاحاتٍ افتراضية.  

في زحمة الـ”لو”، تظلّ الحياةُ هذهِ الفراشةَ الوحيدةَ التي نملكُ رفْرفَتَها، فاسأل نفسك الآن: “أي حياة أريد؟”، ثم انطلق واصنعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *